
سهيبه مريش
إنّ التحولات الكبرى في تاريخ الشعوب لا تُدار بالعاطفة وحدها، ولا تنتصر بالشعارات الثورية المجردة، بل تحتاج إلى خطابٍ مرنٍ ومتجددٍ يواكب كل مرحلة من مراحل الصراع والبناء. ومن هنا تبرز الضرورة الملحّة للانتقال من خطاب المظلومية والثورية الضيقة إلى خطاب الدولة، والمؤسسات، والبناء الوطني الشامل.
لقد عانى السودان لعقود طويلة من هيمنة دولة النخب، ومن التهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي دفع قطاعات واسعة من أبناء الهامش إلى حمل مطالبهم في وجه السلطة المركزية. لكن المرحلة الراهنة تفرض على شركاء التحول وفرسان “حكومة تأسيس” أن يتبنوا خطاباً أكثر واقعية ومنطقية، قادراً على استقطاب العقول والكفاءات، لا على إعادة إنتاج الاستقطاب والانقسام.
إنّ السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جامع، يقوم على الحرية والكرامة والعدالة والتنمية، ويُخاطب الداخل والخارج بلغة الدولة لا بلغة الغضب وحدها. فالثورات لا تُقاس فقط بقدرتها على إسقاط القديم، بل بقدرتها على بناء الجديد، وصناعة الأمل، وتقديم نموذج مختلف للحكم والإدارة.
وثورة الخامس عشر من أبريل، بما حملته من تحولات عميقة، يراها كثيرون امتداداً لتراكمات تاريخية من الغضب والتهميش، بل هي“أمّ الثورات” التي يجب أن تفضي إن أُحسن إدارتها إلى آخر الحروب السودانية، لا إلى دورة جديدة من النزاعات. وهذا لن يتحقق إلا عبر خطاب يدعو إلى البناء والتعمير والتنمية، ويبتعد عن لغة الكراهية والإقصاء والتطرف.
كما أنّ على الناشطين والثوريين والقوى السياسية الجديدة أن تدرك أنّ كسب تعاطف أصحاب المصلحة الحقيقيين، داخلياً وخارجياً، لن يتم عبر الخطابات المتشنجة، وإنما عبر مشروع عقلاني يطمئن الجميع ويؤسس لدولة المواطنة والعدالة. فالشعوب التي دفعت أثمان الظلم لعقود طويلة تبحث اليوم عن الاستقرار، وعن دولة تحترم الإنسان وتفتح أبواب المستقبل.
إنّ أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي ثورة هو أن تُشبه الخطابات التي ثارت ضدها؛ فالخطابات المتطرفة التي تبث الكراهية والفرقة بين أبناء الشعب الواحد لا تبني وطناً، بل تُعمّق الجراح وتُطيل أمد الصراع.
ويبقى الأمل قائماً في أن تنتصر قضايا أهل الهامش انتصاراً أخلاقياً وسياسياً يفتح الباب أمام سودان جديد، سودان يتسع للجميع، تُدار فيه الخلافات بالحوار، وتُبنى فيه الدولة على أسس العدالة والمساواة والتنمية المتوازنة.
وحتماً، فإنّ الشعوب التي صبرت طويلاً على الظلم قادرة على صناعة مستقبلها، مهما طال الزمن أو قصر.




