
الصديق المريود – اريزونا الولايات المتحدة الأمريكية
السودان الجديد يبدأ من حكومة تأسيس
يا أبناء السودان، يا من طحنتم الغلال بأيديكم حتى انغرس العرق في وجوهكم، ويا نساءً حملتن الماء على رؤوسكن منذ أول الخيط الفجري، ويا من تسرحون ماشيتكم حفاة الأقدام فوق الأعشاب المبتلة بالكرنج البارد، أنتم أهل هذا البلد، أنتم الأصل، وأنتم المرجعية. من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، أنتم الذين حميتم الأرض وحفظتم الوطن حين تنازلت عنه النخب، وأنتم الذين عانيتم عقودًا طويلة بلا صحة ولا تعليم ولا خدمات.
لقد عاش السودان منذ دولة ٥٦ مكنة تحت قبضة المركز، حيث النخب والأسر التاريخية استأثرت بالسلطة والثروة، وانبطحت لمصر حتى باتت تدير شأن السودان وتستغل خيراته عبر وكلائها من أبناء تلك النخب. صار السودان كيانًا يُدار من خارج حدوده، بينما ظل إنسان الأطراف – من بور إلى الموية – يرزح تحت أثقال التهميش والإهمال. نساء يحملن الماء والحطب، ورجال يزرعون ويحشون الزرع ويطحنون الغلال بأيديهم، وأطفال يكبرون في القرى بلا مدارس ولا مستشفيات. هذه هي الحقيقة المرة التي صنعها التاريخ المقلوب، وتكرّست في هيمنة المركز.
اليوم، يقف السودان أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر، اسمها حكومة تأسيس. ليست مجرد حكومة انتقالية عابرة، وليست مجرد تسوية سياسية بين نخب الخرطوم، بل هي أول حكومة حقيقية تمنح المرجعية والأولوية للشعوب، للشعب السوداني في أطرافه قبل مدنه، للذين يزرعون الأرض ويرعون الماشية ويصمدون في وجه قسوة الطبيعة، لا للنخب التي باعت البلاد وركعت للخارج.
إن حكومة تأسيس هي حكومة ولادة جديدة للسودان. حكومة تعيد صياغة علاقة المركز بالأطراف على أسس جديدة، حكومة تقيم العدل وتوزع الثروة على أساس الأقاليم وتعداد السكان، حكومة تجعل التنمية متوازنة فلا يكون شرق السودان ولا غربه ولا شماله ولا جنوبه خارج معادلة التنمية. فكم من أمٍ في أقصى الريف تمشي الكيلومترات لتجلب الماء فوق رأسها، وكم من فتى يقضي يومه يرعى الماشية حافي القدمين دون أن يعرف طعم المدرسة أو فرصة التعليم! أليس هؤلاء أولى بخيرات السودان من نخب الخرطوم التي حولت السلطة إلى ميراث؟
إن أهل السودان يعرفون أن “البيت البقوم على العدل ما بتهزو الرياح”، ويعرفون أن “الجمرة بتحرق الواطيها”. ونحن الذين اكتوينا بنار التهميش لعقود، نعلم أن لا سبيل للكرامة إلا بالعدل. وحكومة تأسيس هي بيت العدل الذي يجب أن نقيمه جميعًا.
لقد علّمنا التاريخ أن الشعوب التي ظلت رهينة للنخب لا تنهض إلا حين تنتزع زمام المبادرة. في جنوب أفريقيا لم تتحقق الحرية إلا بإسقاط نظام الفصل العنصري، وبناء دولة على أسس المساواة. وفي الهند، لم يتحرر الملايين إلا حين جعلوا المرجعية للشعب لا للنخب التي كانت تابعة للاستعمار. وحتى في أثيوبيا، ورغم التعقيدات، فإن إعادة توزيع السلطة على أساس الأقاليم أعطت الشعوب صوتًا ووزنًا. فلماذا يبقى السودان أسيرًا لتاريخ صنعته نخب باعت الوطن للغير؟
كما قال الشاعر فضيلي جماع:
“سنزرع في الصباح القادم قمحنا في كل وادٍ،
ونعيد للساقية دورتها، وللنيل مجراه العادل.”
هذه الكلمات ليست شعرًا فقط، بل هي برنامج سياسي كامل لحكومة تأسيس: أن نزرع قمحنا بأيدينا، أن نعيد للساقية دورتها، أن نجعل للنيل مجراه العادل في توزيع الخيرات.
ولقد صدح شاعر العرب أبو القاسم الشابي قبل عقود قائلاً:
“إذا الشعب يومًا أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر.”
وها نحن اليوم أمام لحظة الإرادة، فإما أن نستجيب لقدر الحرية والعدالة، أو نظل أسرى لماضٍ مظلم صنعته النخب والمركز.
إن حكومة تأسيس ليست خيارًا بين خيارات، بل هي قدر السودان إذا أراد أن يعيش. هي حكومة تقطع الطريق على انبطاح النخب لمصر، وتعيد للسودان سيادته على قراره وموارده. هي حكومة تنهي زمن التبعية وتفتح زمن الاستقلال الحقيقي.
يا أبناء السودان، إن واجبكم اليوم أن تلتفوا حول حكومة تأسيس، أن تجعلوها برنامجكم ومصيركم، أن تدافعوا عنها بوعيكم وإرادتكم. لأن من لا يؤسس اليوم، لا مستقبل له غدًا. ومن لا يشارك في بناء بيت العدل، سيظل تحت ركام بيت الظلم.
فلنرفع أصواتنا عالية:
لا للقبضة المركزية!
لا للانبطاح للنخب!
لا للتبعية لمصر أو غيرها!
نعم لحكومة تأسيس السودان الجديد!
إن هذا النداء هو صرخة كل من طحن الغلال بيديه، وكل من حمل الماء على رأسه، وكل من مشى حافيًا وراء ماشيته. هذا النداء هو صرخة كل سوداني وسودانية يريدان أن يريا بلدًا يوزع خيراته بالعدل، ويقيم تنميته على التوازن، ويعيد الكرامة لأهله.
ولتعلموا أن الشعوب لا تبنى إلا حين تعيد كتابة تاريخها بيدها. واليوم هو يوم كتابة تاريخ السودان بيد أبنائه وبناته، لا بيد النخب ولا بيد الخارج. فلنقف صفًا واحدًا وراء حكومة تأسيس، ولنجعلها ميلادًا جديدًا لسودان الحرية والعدالة والمساواة.



