المؤتمر الوطني وإعادة إنتاج الأزمة.. لماذا يفشل الاستقرار السياسي في السودان ؟
عثمان عبد الرحمن سليمان

عثمان عبدالرحمن سليمان
تشهد الساحة السياسية السودانية مرحلة بالغة التعقيد تتطلب قدرًا عاليًا من الوعي الوطني والمسؤولية التاريخية، خصوصًا في ظل المحاولات المستمرة لإعادة إنتاج القوى التي كانت سببًا مباشرًا في أزمات السودان الممتدة لعقود طويلة. لقد أثبتت التجربة السياسية بما لا يدع مجالًا للشك أن عناصر الإخوان المسلمين وقيادات المؤتمر الوطني لم يكونوا جزءًا من مشروع بناء الدولة، بل كانوا أحد أبرز أسباب إضعافها وتفكيك مؤسساتها وإغراقها في الصراعات والانقسامات. ولذلك فإن أي مشروع سياسي أو وطني يسمح ببقاء هذه العناصر داخل مفاصل الحكومة أو مؤسسات اتخاذ القرار سيكون مشروعًا مهددًا بالانهيار منذ لحظته الأولى، لأن ذات الأدوات التي أفسدت الدولة سابقًا لا يمكن أن تكون وسيلة لإصلاحها اليوم.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وجود هذه العناصر داخل المشهد السياسي، وإنما في قدرتها الكبيرة على التغلغل وإعادة التموضع وتوجيه التحالفات بما يخدم أجندتها التنظيمية، حتى وإن جاء ذلك على حساب استقرار السودان ووحدته الوطنية. فقد اعتادت كوادر المؤتمر الوطني على إدارة المشهد عبر صناعة الاستقطاب، وإضعاف خصومها، واستغلال التناقضات الاجتماعية والقبلية للحفاظ على نفوذها السياسي والأمني والاقتصادي. ولهذا أصبحت قطاعات واسعة من القوى السياسية والمدنية تدرك أن أي تسوية أو شراكة لا تقوم على إنهاء نفوذ الإخوان بصورة واضحة وصريحة لن تقود إلا إلى إعادة تدوير الأزمة بصورة أكثر خطورة وتعقيدًا.
كما أن المرحلة الراهنة تتطلب تجاوز منطق المعادلات القبلية والولاءات الضيقة التي ظلت تُستخدم كوسيلة لإدارة السلطة في السودان. فالدولة الحديثة لا تُبنى على المحاصصات القبلية أو التحالفات المؤقتة، وإنما تُبنى على مشروع وطني جامع يقوم على المواطنة والعدالة والكفاءة وسيادة القانون. وقد أثبتت التجربة أن الاعتماد على الولاءات القبلية والسياسية الضيقة كان من أكبر أسباب هشاشة الدولة السودانية، الأمر الذي سمح للقوى المؤدلجة بالتلاعب بمصير البلاد وإطالة أمد الأزمات. إن السودان اليوم بحاجة إلى قيادة وطنية تمتلك رؤية جديدة تنقل البلاد من مرحلة الانقسامات إلى مرحلة بناء المؤسسات والاستقرار الحقيقي.
إن نجاح أي مشروع سياسي خلال المرحلة المقبلة سيظل مرهونًا بإبعاد عناصر الإخوان المسلمين وواجهات المؤتمر الوطني من مؤسسات الدولة ومراكز النفوذ السياسي والإداري، لأن وجودهم داخل مفاصل الحكومة سيقود حتمًا إلى تعطيل أي عملية إصلاح وإفراغها من مضمونها الوطني. فالسودانيون لم يعودوا يحتملون إعادة إنتاج التجارب الفاشلة أو العودة إلى السياسات التي قادت البلاد إلى الحروب والانهيار الاقتصادي والعزلة والانقسام. إن بناء السودان الجديد يبدأ من تأسيس دولة خالية من الهيمنة الحزبية والتنظيمية، دولة تُدار بعقلية وطنية خالصة تضع مصلحة الشعب فوق أي اعتبارات أيديولوجية أو سياسية ضيقة، وتفتح الطريق أمام مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة ووحدة.




