رأي

السودان.. وطن يكتبه الرصاص لا الحقيقة

عبدالعزيز بخات المحامي

 

عبدالعزيز بخات المحامي

كان السودان، في أزمنته الأكثر وعياً ونبلاً، يُكتب بالحبر لا بالدم، وتُصاغ ملامحه بالكلمة الحرة لا بفوهة البندقية. كانت القصيدة توقظ الضمير الجمعي، والمقال يفتح نوافذ الحقيقة، والهتاف الخارج من ساحات الجامعات يربك السلطة ويعيد تعريف الممكن السياسي. يومها كان القلم أكثر من أداة كتابة؛ كان ضمير وطن، وسلاح شعب، وذاكرة أمة تحفظ وجعها وتقاوم النسيان.

لكن السودان اليوم يقف على الضفة المقابلة تماماً.

يقف في زمن اختلطت فيه السلطة بالعنف، والدولة بالخوف، والقانون بالقوة المسلحة، حتى أصبح التعبير عن الرأي مخاطرة، وأصبحت الحقيقة نفسها تُعامل كجريمة.

مات القلم يوم تحولت حرية التعبير إلى تهمة، وأصبح الصمت وسيلة للبقاء، والكلمة الحرة طريقاً إلى السجن أو المطاردة أو الموت. مات حين أغلقت الصحف، وصودرت المطابع، وطورد الصحفيون والكتاب والنشطاء، وحين أصبح الرصاص أسرع من العدالة وأقوى من صوت القانون.

ومن رحم هذا الخراب، ولدت سلطة البندقية.

أصبحت البندقية هي القلم الجديد الذي يكتب المشهد السوداني بالنار والدم. هي التي ترسم خرائط الخوف على جدران الخرطوم، وتنقش أسماء الضحايا على تراب دارفور والجنينة والفاشر وود مدني والجزيرة. وهي التي تفرض خطابها بالقوة، لا بالشرعية، وتكتب “النص السياسي” الوحيد المسموح بتداوله في وطن أنهكته الحرب.

لم تعد البنادق مجرد أدوات قتال، بل تحولت إلى لغة حكم كاملة، وإلى سلطة لا تقبل الاستئناف، وإلى وسيلة لإعادة تشكيل المجتمع عبر الرعب والتجويع والنزوح الجماعي وتحطيم المجال العام.

وفي ظل هذا الانهيار العنيف، تراجعت هيبة القانون حتى كادت تختفي، وغابت العدالة خلف أصوات المدافع، واختلطت المعايير إلى درجة أصبح فيها مجرد السؤال مدعاة للاتهام، وأصبح المدني مهدداً لأنه عبّر عن رأي، أو تمسك بحقه في الحياة والكرامة، أو رفض الانحياز إلى آلة الحرب.

وبات السودان يعيش واقعاً مأساوياً تتبدل فيه المواقع الأخلاقية بصورة مرعبة؛ فيتحول الضحية إلى متهم، ويصبح من أحرق القرى ودمر المدن وروع المدنيين طرفاً يملك القوة والسلطة، بينما يُدفع الأبرياء إلى دوائر الخوف والملاحقة والتجريم.

إن ما يجري في السودان لا يمكن اختزاله في توصيف سياسي عابر أو نزاع على السلطة، بل هو جرح أخلاقي وإنساني عميق أصاب فكرة الوطن نفسها. وهو كذلك انتهاك صارخ لكل المبادئ التي قامت عليها الشرائع والقوانين والمواثيق الدولية التي تحرّم استهداف المدنيين، وتجّرم القتل خارج القانون، والاعتقال التعسفي، والتحريض على الكراهية والعنف.

فالحق في الحياة ليس امتيازاً تمنحه السلطة، وحرية التعبير ليست منحة من أحد، والكرامة الإنسانية لا تسقط بالحرب ولا تُلغى بالبندقية.

الشعب السوداني لم يخرج مطالباً بالحرب.

الشعب الذي كتب “حرية، سلام، وعدالة” على لافتات بسيطة، كان يبحث عن وطن يتساوى فيه الناس أمام القانون، لا عن دولة تُدار بالخوف والسلاح. كان يحلم بمؤسسات تحمي الإنسان، لا تطارده، وبقضاء عادل، لا بمحاكمات تُعقد تحت ظلال البنادق.

لكن صوت الرصاص تغلب على صوت العقل، وتحولت الساحات التي كانت تمتلئ بالأمل إلى مساحات للنزوح والفقد والمقابر المفتوحة.

ومع ذلك، فإن الشعوب الحية لا تموت مهما اشتد القهر.

والأوطان التي تنزف قادرة على النهوض متى ما استعادت الحقيقة مكانها، وانتصر الوعي على الخوف.

فالبندقية، مهما امتلكت من قوة، لا تستطيع أن تصنع وطناً مستقراً، ولا أن تبني ذاكرة آمنة للأجيال، ولا أن تؤسس سلاماً دائماً. إنها قد تنتج سلطة مؤقتة، لكنها تعجز عن إنتاج وطن قابل للحياة.

أما القلم، فهو وحده القادر على إعادة ترميم الإنسان السوداني، واستعادة المعنى الأخلاقي للدولة، وكتابة سلام يحفظ الكرامة ويرد الاعتبار للضحايا ويؤسس لمستقبل لا تحكمه الكراهية.

وسيأتي يوم يعود فيه القلم إلى مكانه الطبيعي.

يعود حين يصبح القضاء مستقلاً لا تحرسه البنادق، وحين يكتب الصحفي دون خوف، وحين يذهب الأطفال إلى مدارسهم بدلاً من معسكرات النزوح والحرب، وحين يدرك الجميع أن الأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالعدالة والمصالحة واحترام الإنسان.

وعندما يعود القلم، سيقرأ السودانيون هذا الفصل الحزين من تاريخهم بقلوب مثقلة بالفقد والأسئلة، وسيعلمون أبناءهم أن الحروب لا تورث سوى الخراب، وأن خطاب الكراهية لا يصنع وطناً، وأن السلام العادل وحده هو الطريق لإنقاذ السودان من الانهيار.

وإلى أن يحين ذلك اليوم، سيبقى الأمل حياً رغم الركام، وستظل الحقيقة عصية على الموت مهما حاول الرصاص إسكاتها.

فالشعب لم يمت.

والحقيقة لم تمت.

والقلم، وإن غاب تحت أنقاض الحرب، سيعود ذات يوم ليكتب للسودان وطناً يليق بتضحيات أبنائه وصبرهم الطويل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!