رأي

أمجد فريد… الكذبة التي تمشي على قدمين

عبد الرحمن ابو رندة.. بنسلفانيا

 

 عبد الرحمن أبو رندة .. بنسلفانيا

أمجد فريد لا يمثل تياراً ولا موقفاً ولا مشروعاً. هو مجرد صوت مرتجف يبحث عن أي كتف يستند عليه، ولو كان كتف العسكر الذين سفكوا دماء مواطنيه. ومن سوء حظه أن الزمن الذي كان يبيع فيه الكلام قد انتهى، فلا بقي خطابه يضحك أحداً ولا بقيت بضاعته قابلة للتسويق إلا عند بقايا سلطة منتهية الصلاحية.

هذا الرجل لم يختر الانحياز للعسكر لأنهم الدولة، بل لأنهم الوحيدون الذين يقبلون خدمات من يبحث عن دور مهما كان صغيراً. وهو يعرف، كما يعرف الجميع، أن الدولة التي يدافع عنها لم تعد سوى هيكل منخور يقف على فوهة دبابة لا على أي أساس قانوني أو أخلاقي. ومع ذلك يصرّ على جرّ الناس إلى حفرة أوهامه.

هناك مقولة تقول: عندما تفلس الحجة، يرتفع صوت الكذب. وهذا ما يفعله أمجد تماماً. لم يبقَ لديه منطق، فاستبدله بمكبر صوت. ولم يبقَ لديه دليل، فاستعاض عنه بروايات ملفقة تنضح بالشماتة والغلّ والتحريض على كل من لا يقف خلف العسكر والإسلاميين.

وهو لم يكتفِ بالدفاع عن سلطة بورتسودان الميليشياوية، بل ذهب أبعد من ذلك: صار يجمّل وجوه القتلة، يبرر فض الاعتصام، ويمسح جرائم الحركة الإسلاموية بخرقته القديمة التي يسميها “تحليل سياسي”. بل إن صوته أصبح نسخة مشوهة من صوت البرهان نفسه، كأنهما يتقاسمان الصفحة واللايف والجهل بالمعلومة في آن واحد.

يقول الناس إن أسوأ الأكاذيب هي تلك التي يصدقها صاحبها أولاً. وأمجد واحد من هؤلاء. صدّق أن الجيش الذي دمّر الخرطوم واغتصب النساء وأحرق القرى يمكنه أن يمثل “الدولة”. وصدق أن قصف المدنيين يمكن أن يكون عملاً وطنياً. وصدق أن فوهة الدبابة يمكن أن تلد شرعية. وهذه مشكلة من يعيش داخل فقاعة: يظن أن الهواء في الداخل هو هواء العالم كله.

عندما سيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر، وانهارت دفاعات الجيش خلال أسابيع قليلة، لم يجد أمجد سوى الهروب إلى الأمام. فبدأ يلصق بالدعم السريع جرائم لم تقع، وينفخ شائعات لا تصمد خمس دقائق أمام أي شاهد من المدينة. كان يريد أن يغطي على الحقيقة الموجعة: أن جيشه المقدس انهار، وأن مشروع “استعادة الدولة” الذي يغني به انتهى قبل أن يبدأ.

ولأن اليأس يدفع المهزوم للبحث عن شماعات، وجد أمجد ضالته: الإمارات. صار يتحدث عنها كأنها التي أشعلت الحرب، وكأن الجماعات الإسلاموية التي تحكم الجيش كانت نائمة تحلب الأبقار لا تحضر لانقلاب وحرب منذ سنوات. وبالطبع، لم ينبس بكلمة عن مصر، لأن من يقتات من أبواب الأجهزة الأمنية لا يجرؤ على نقدها. يختار عدوه بعناية، ويختار صمته بعناية أكبر.

وتقول الحكمة: لا أحد يسقط فجأة؛ السقوط سلسلة من التنازلات الصغيرة التي ظن صاحبها أنها لن تُرى. أمجد تنازل عن الحقيقة أولاً، ثم عن أخلاقه، ثم عن ضحايا فض الاعتصام، ثم عن الثورة نفسها، إلى أن وجد نفسه في نهاية السلم بلا شيء… سوى صوته العالي. لكنه صوت لا يخيف أحداً. صوت بلا وزن، بلا سند، بلا جمهور، بلا مصداقية.

والفضيحة الأكبر في حياته كانت عندما اعتقلته السلطات المصرية. لا بيان، لا رفيق، لا صديق، لا جهة واحدة تضامنت معه. لم يجد من يكتب اسمه حتى في زاوية التعازي. كأن الرجل كان يعيش على ظل الآخرين لا على وجوده. وهذه نهاية من اعتاد أن يبيع نفسه لكل سلطة تمرّ به ثم يكتشف أن السلطة نفسها لا تراه.

اليوم يحاول أمجد أن يورط الدعم السريع في جرائم حرب وهمية، لأنه لم يستطع مواجهة الحقيقة: خصومه انتصروا على الأرض، فيما هو لم ينتصر على منشور واحد من منشوراته. صار يكتب، فيفضح نفسه دون أن يقصد. صار يصرخ، فيكشف ضعفه دون أن ينتبه. صار يهدد، فيضحك الناس عليه دون أن يفهم.

أما الحقيقة فهي أبسط من كل هذا: من يختار العسكر على الشعب، ومن يختار الكذبة على الواقع، ومن يختار ترديد خطاب الإسلاميين رغم جرائمهم—فهو لا يقف في صف دولة، بل في صف نهايته. ومن قال إن الحق لا يحتاج إلى من يدافع عنه، بل إلى من يتوقف عن خيانته، كان يتحدث عن هذه الحالة تماماً.

أمجد اليوم ليس خصماً لأحد. هو مجرد تذكير مرّ بما يحدث عندما يتحول الإنسان إلى صدى لميليشيا مهزومة. وحين يكون الصدى أعلى من الصوت الأصلي، فهذا يعني شيئاً واحداً: أن الأصل مات… وبقي الوهم وحده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!