رأي

خطاب السيد الرئيس بمناسبة عيد الأضحى: قراءة سياسية وإنسانية في مانيفستو التأسيس.

د. جودات الشريف حامد

 

د. جودات الشريف حامد

منذ مطلع القرن التاسع عشر، حين تأسيس الدولة السودانية الحديثة تحت مظلة الحكم التركي المصري في عام 1821، تشكّلت معضلة السودان البنيوية حول مركز اقلية صفوية متعالٍية احتكرت السياسة والفكر والثقافة والسلطة والثروة وأدوات العنف، وهامش مظلوم جُرد تاريخياً من حقوقه السياسية والاجتماعية والثقافية، واستُخدم كخزان لتوفير الثروة والموارد البكر والمقاتلين لحماية هذه النخب المتنفذة. ومع فجر الاستقلال المُدعى في عام 1956، لم يتغير هذا المشهد الجيوسياسي، بل جرى انتقال السلطة بآلية “تسليم وتسلم” من المستعمر الأجنبي إلى نخب المركز النيلي النخبوي المتمسكة بامتيازاتها التاريخية، لتدخل البلاد في متلازمة مزمنة من الحروب الأهلية بدأت من تمرد توريت في الجنوب قبل إعلان الاستقلال بأشهر، مروراً بحروب جبال النوبة والنيل الأزرق، وصولاً إلى محرقة دارفور في عام 2003 و حرب 15 أبريل التي أشعلت الحركة الإسلامية الإرهابية حرائقها. وعلى مرّ هذه العقود خاض الشعب السوداني ثورات شعبية شجاعة وملهمة أطاحت بديكتاتوريات عسكرية مركزية في أكتوبر 1964، وأبريل 1985، وديسمبر 2018، غير أن معضلة السودان الكبرى ظلت قائمة في عجز النخب المدنية عن صياغة مشروع وطني جامع -حيث ظلت هذه النخب في حالة تآمر دائم مع نخب المؤسسة العسكرية استقواء هذه النخب العسكرية بهذه اللنخب الأيديولوجية ومؤسسات الدولة النظامية لفرض واقع أحادي تشكله العنصرية النخبوية البغيضة على مر التاريخ.

في هذا السياق التاريخي المشبع بالمظالم والاعتساف وذاكرة اللاوطن وبحلول عيد الأضحى المبارك27 مايو2026، أطل على الأمة السيد الرئيس والقائد العام لقوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو موسى في خطاب تاريخي وسياسي ناضج، يتجاوز بروتوكولات التهنئة الموسمية المعتادة ليمسح مسحة شجن صادقة على واقع النزوح الذي يعيشه السودانيون في المعسكرات والمخيمات تحت ظلال الأشجار وفي منافي اللجوء الباردة، حيث غابت ضحكات الأطفال ورائحة خبائز العيد من البيوت المشرعة وحلت محلها وعثاء السفر والترغب والانتظار المُر. وما يميز هذا الخطاب عن سابقاته أنه ليس خطاب استعراض عسكري أو تحديث ميداني عن موقف عملياتي ، بل جاء كمحاولة شجاعة وجريئة لملامسة شغاف قلوب السودانيين المنهكين ومخاطبة حلم الأم والأب السوداني بالعودة، من خلال صياغة مانيفستو سياسي وإنساني متكامل يسعى لإعادة تموضع الدعم السريع و مؤسساتها المدنبة ورفاقها في تحالف التأسيس كقوة شرعية وطنية قادرة على صياغة مستقبل السودان وتفكيك بنية الدولة القديمة بكل ظلمها وظلاماتها التاريخية.

لقد اتسمت نبرة خطاب السيد الرئيس بالهدوء الاستراتيجي والمسؤولية العالية، والابتعاد الملحوظ عن لغة التعبئة العسكرية، متبنياً لغة الدولة وحكمة القادة السياسيين والمفكرين، في خطوة تؤكد نضجه كأحد أبرز رجال الدولة في المشهد الراهن، ومخاطباً المجتمع الدولي والإقليمي برسائل واضحة تعكس الالتزام الصارم بالتحول الديمقراطي وبناء دولة المواطنة بلا تمييز ومحاربة الأيديولوجيا المتطرفة. وبدقة متناهية، لقد نجح السيد القائد في إعادة تعريف الحرب الحالية، مبيناً أنها ليست نزاعاً على سلطة واهية كما يدعي البعض قصداً، بل صدام حتمي ومصيري بين مشروعين نقيضين “مشروع التأسيس الوطني الشامل” و”مشروع الحركة الإسلامية الظلامي الإرهابي” الذي يحاول اختطاف البلاد مجدداً وحماية شرعية السيادة “الفالصو” لسلطة الأمر الواقع في بورتسودان بقيادة عبد الفتاح البرهان.

إن القيمة الكبرى لهذا الخطاب تتجلى في شجاعة الطرح؛ فحينما يدعو السيد الرئيس محمد حمدان دقلو بكل وضوح إلى بناء جيش سوداني وطني مهني موحد وجديد تماماً، معافى من الانتماءات الأيديولوجية والحزبية والجهوية، فإنه يضع يده على الداء الحقيقي الذي أقعد السودان لعقود. إن هذا الطرح يمثل التزاماً تاريخياً بالانتقال من عهد الميليشيات المؤدلجة والجيوش المسيسة إلى رحاب التحرر الوطني، مكرساً دور قوات الدعم السريع كجيش تحرير وطني حقيقي يدافع عن حقوق السودان عامة والأقاليم المهمشة بصفة خاصة. هذا التوجه التحرري يعيد إنتاج وبناء تطلعات ثورة ديسمبر المجيدة، ويقدم حلاً عملياً لحماية الدولة المدنية؛ فبندقية قوات الدعم السريع هنا لا تحارب لتتسلط، بل لكسر احتكار العنف الذي مارسه نظام الثلاثين من يونيو البائد، ولبناء منصة انطلاق نحو حكم فيدرالي ديمقراطي عادل يضمن توزيع الثروة والسلطة بالتساوي بين أقاليم السودان كشرط أساسي لمنع التفتت والانهيار.

إن هذا الخطاب يمثل بلا شك الطرح السياسي والإنساني الأكثر نضجاً ومسؤولية في تاريخ الأزمة الراهنة، حيث نجح القائد محمد حمدان دقلو في تقديم معالجة هيكلية لأزمات السودان المتراكمة منذ الاستقلال، واضعاً المجتمع الدولي والقوى المدنية أمام مسؤولياتهم التاريخية لدعم “مشروع التأسيس” كطوق نجاة وحيد لإنهاء عهد الهيمنة النخبوية الصفوية، وبناء وطن آمن ومستقر يتسع لجميع أبنائه بلا عنصرية أو تهميش، ليكون العيد القادم بإذن الله عيداً حقيقياً للعدالة والعودة والسلام المستدام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!