
نجوي بابو
ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة إدارية أو خلاف سياسي عابر، بل هو تعبير واضح عن عقلية ترى أن حق المواطن في الاعتراف بهويته ووجوده يمكن أن يتحول إلى أداة للابتزاز السياسي. فعندما تصبح صكوك المواطنة عمليًا رهينة لقرارات كمال إدريس والبرهان، وعندما يجد السوداني نفسه مضطرًا للمرور عبر بوابات السلطة وإرضاء القائمين على المطبخ السياسي لحكومة الأمر الواقع حتى يثبت هويته أو يحصل على أبسط حقوقه، فإننا أمام أزمة تمس جوهر الدولة نفسها.
المواطنة ليست هبة من البرهان، وليست منحة من كمال إدريس، وليست امتيازًا تمنحه السلطة لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء. المواطنة حق أصيل لا يملك أحد مصادرته أو احتكاره أو تحويله إلى وسيلة للسيطرة والإخضاع.
لكن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في سلوك السلطة، بل في حالة الانكسار التي فُرضت على قطاعات واسعة من أبناء الشعوب السودانية المهمشة. فبدلًا من أن تتوحد هذه المجموعات في مواجهة السياسات التي كرست التهميش والتمييز والإقصاء، يجد كثيرون أنفسهم عالقين في دائرة البحث عن النجاة الفردية، أو السعي وراء مكاسب محدودة لا تغير من واقع الظلم شيئًا.
ويبقى السؤال المؤلم: لماذا يركع أبناء الشعوب السودانية المهمشة أمام من يعتبرونهم سببًا في معاناتهم التاريخية؟ ولماذا يُستبدل مشروع التحرر الجماعي بمساعي فردية للحصول على فتات الحقوق أو بعض الامتيازات المؤقتة؟ ولماذا يستمر التنافس بين الضحايا بينما يظل المستفيد الأكبر هو النظام الذي أنتج الأزمة وأدارها لعقود؟
إن القوى التي تحتكر القرار السياسي تدرك جيدًا أن وحدتها مصدر قوتها، بينما يشكل تشتت المهمشين الضمانة الأساسية لاستمرار نفوذها. ولذلك لم يكن غريبًا أن تُستثمر الانقسامات الجهوية والقبلية والسياسية لإضعاف أي مشروع وطني قادر على إعادة توزيع السلطة والثروة بصورة عادلة.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الحقوق لا تُنتزع بالاستجداء، وأن الكرامة لا تُمنح من الحكام، وأن العدالة لا تتحقق عبر انتظار رحمة السلطة. فالتحولات الكبرى تبدأ عندما تدرك الجماعات المظلومة أن قوتها الحقيقية تكمن في وحدتها، وأن مستقبلها لا يمكن أن يبنى على الخضوع للأمر الواقع مهما بلغت قسوته.
إن السودان لن يخرج من أزمته طالما استمرت عقلية احتكار المواطنة واحتكار السلطة واحتكار القرار الوطني. ولن يتغير الواقع ما دام المهمشون يتعاملون مع نتائج الأزمة بدلًا من مواجهة جذورها. فالمعركة الحقيقية ليست من أجل حفنة قروش أو مكاسب مؤقتة، بل من أجل وطن تُصان فيه كرامة الإنسان، وتُحترم فيه المواطنة، وتكون فيه الحقوق ملكًا للجميع لا امتيازًا تحتكره السلطة أو تمنحه وفق حساباتها السياسية.
فلا دولة تستقر بالإذلال، ولا وطن يتوحد بالتمييز، ولا مستقبل يُبنى على إخضاع المواطنين وإجبارهم على طلب حقوقهم من أيدي من يفترض أن يكونوا خدمًا للشعب لا أوصياء عليه.




