رأي

الحزب الشيوعي السوداني وأسئلة الراهن

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

الأفكار التي تتوقف عن التطور تتحول إلى أعباء واثقال 

في السياسة لا تُقاس قيمة الأحزاب بتاريخها وحده، ولا بما قدمته في مراحل سابقة من النضال الوطني، وإنما بقدرتها على قراءة الواقع المتغير وتطوير أدواتها الفكرية والسياسية بما يتناسب مع تحديات كل مرحلة. فالأحزاب التي تعجز عن تجديد رؤيتها ومراجعة مواقفها سرعان ما تجد نفسها خارج التأثير الفعلي في صناعة الأحداث، مهما كان رصيدها التاريخي أو مكانتها الرمزية.

ومن هذه الزاوية تبرز تساؤلات مشروعة حول موقف الحزب الشيوعي السوداني من التحولات العميقة التي يشهدها السودان اليوم. فالحزب الذي لعب أدواراً مهمة في تاريخ الحركة السياسية السودانية يبدو، في كثير من مواقفه الراهنة، أسير مقاربات فكرية وسياسية تنتمي إلى سياقات مختلفة عن السياق الذي تعيشه البلاد حالياً.

إن البيان الأخير للحزب بشأن الميثاق السياسي لقوى إعلان المبادئ يعكس جانباً من هذه الإشكالية. فبدلاً من الانخراط النقدي الإيجابي مع المبادرات المطروحة لإيقاف الحرب وفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة، اختار الحزب موقع المراقب الذي يرفع سقف التحفظات إلى الحد الذي يجعله أقرب إلى رفض الواقع كله دون تقديم بديل عملي قابل للتنفيذ في الظروف الراهنة.

ولا يتعلق الأمر هنا بحق الحزب في النقد أو الاختلاف، فذلك حق أصيل ومشروع، وإنما بطبيعة الخطاب السياسي الذي يقدمه. إذ يبدو أن الحزب ما يزال ينظر إلى المشهد السوداني من خلال عدسات أيديولوجية قديمة لا تساعد على فهم التعقيدات الجديدة التي أفرزتها الحرب والانهيار المؤسسي والتدخلات الإقليمية والدولية.

كما أن المفارقة الكبرى تكمن في أن الحزب يرفض كثيراً من المبادرات السياسية بحجة عدم كفايتها أو قصورها، بينما لا يمتلك في المقابل القدرة التنظيمية أو الجماهيرية التي تمكنه من فرض مشروعه البديل على الأرض. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن تحويل الشعارات إلى وقائع سياسية في ظل موازين القوى القائمة؟

لقد أثبتت التجارب السياسية الحديثة أن النجاح لا يتحقق عبر الاكتفاء بالمواقف المبدئية المجردة، وإنما من خلال القدرة على بناء التحالفات الواسعة وإدارة التناقضات والتعامل مع الممكن السياسي دون التفريط في الأهداف الكبرى. أما الاكتفاء بموقع الناقد الدائم لكل المبادرات والقوى والتيارات، فإنه يقود في نهاية المطاف إلى العزلة السياسية أكثر مما يقود إلى التغيير.

والحقيقة أن الأزمة التي تواجه الحزب الشيوعي اليوم ليست أزمة شعارات أو برامج مكتوبة، وإنما أزمة قدرة على التفاعل مع الواقع المتحرك. فالسودان الذي تشكلت فيه كثير من أدبيات الحزب لم يعد هو السودان نفسه بعد عقود من الحروب والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية العميقة.

 

كما أن الأجيال الجديدة أصبحت أكثر اهتماماً بالحلول العملية لقضايا السلام والتنمية والعدالة والدولة المدنية من اهتمامها بالاستقطابات الأيديولوجية التقليدية التي حكمت الحياة السياسية لعقود طويلة. ولذلك فإن الأحزاب التي لا تواكب هذا التحول تجد نفسها تدريجياً خارج دائرة التأثير الفعلي مهما ارتفع صوتها في الساحة السياسية.

 

إن اللحظة السودانية الراهنة تتطلب قدراً أكبر من الواقعية السياسية والمرونة الفكرية والقدرة على بناء التوافقات الوطنية الواسعة. فالحرب الدائرة لا تنتظر انتصاراً أيديولوجياً لأي طرف، بقدر ما تحتاج إلى مشروع سياسي قادر على جمع السودانيين حول أهداف مشتركة تتعلق بوقف النزيف وإعادة بناء الدولة واستعادة الاستقرار.

وفي هذا السياق، فإن التحدي الحقيقي أمام الحزب الشيوعي السوداني ليس في إصدار المزيد من البيانات أو توسيع دائرة النقد، بل في الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن الانتقال من موقع الاعتراض الدائم إلى موقع الفعل السياسي المؤثر القادر على الإسهام في صناعة المستقبل؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد الإجابة عنه مكانة الحزب في المرحلة المقبلة، ومدى قدرته على البقاء فاعلاً في المشهد السياسي السوداني المتغير، لا بوصفه جزءاً من ذاكرة الماضي فحسب، بل بوصفه شريكاً في صناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!