الملحمة الوطنية الكبرى “من 7 إلى 18 يونيو” امتحانات الشهادة السودانية كإعلان دستوري للحرية
مهدي عبدالله حامد

مهدي عبدالله حامد
يمر السُّودان اليوم، بمنعطف تاريخي فاصل بين عهدين متناقضين في التوجهات ومختلفين في المسارات من تاريخه الوجودي، فالعهد الأول هو عهد الفشل والأزمات والمتناسلة المقترنة بأصحاب الغرض والمرض، والعهد الثاني هو عهد التحرر من لجج الفوضى والخلاص من براثن الوقاحة وهزيمة سياساتها المعطوبة التي حشدت لها الإرادة الوطنية أبهى تجلياتها للفكاك من هذا الداء العضال، حيث تلاقت فيه عزيمة “تحالف تأسيس” مع نبض حكومة السلام الانتقالية، لجهة أن تنبثق امتحانات الشهادة السُّودانية في الفترة من 7 إلى 18 يونيو 2026م، لا كإجراء أكاديمي روتيني موسمي، وانما كعهد مغاير كليًا عن السابق ليضع أهم أولوياته وثيقة إعلان لـ “السيادة المعرفية” للإنعتاق الكامل لصروح العلم من دنس العبث والارتهان.
فإنَّ هذه الخطوة التاريخية تمثل جسر العبور الذي شيّدته الدولة الفتية بصلابة استثنائية، لأجل أن تؤكد للعالم أجمع أن أجيال السُّودان خط أحمر، وأن قطار المعرفة لن يتوقف مهما بلغت التضحيات، فإنها دعوة فخر ورهان رابح، نبرقها من قلب هذه المنصة السيادية الشامخة إلى كل طالب وطالبة، وإلى كل أب وأم قابضين على جمر الأمل، إن وقوفكم اليوم في ساحات العلم هو الإعلان الفعلي لهزيمة قوى التجهيل البائدة، وهو الاستثمار الأبقى في سودان العدالة والكفاية، فلتجعلوا من قاعات النور هذه منطلقا لثورة التنوير، ولتراهنوا بملء قلوبكم على فجر جديد صاغته أيدي شريفة آلت على نفسها ألا يضيع في عهدها عقل سوداني واحد، لتشرق شمس المعرفة حرة، أبية، ونهائية، بعيدًا عن مراكز الخرطوم الآثمة التي لطالما اتخذت من تعليم أبنائنا سوقا للمزايدات السيَّاسيِّة ومقبرة للمستقبل.
فها هي، الإرادة الوطنية السيَّاسيِّة الخالصة والمسؤولة قد ارتبطت بالتدابير التنفيذية الصارمة لتتراجع أمامها العوائق اللوجستية والأمنية الأمر الذي أدى إلي إفساح المجال واسعًا أمام كتابة التاريخ من جديد، ضمن عملية قرع أجراس امتحانات الشهادة الثانوية السودانية التي سوف تكون حدثًا عظيمًا يتردد صداه كأقوى وثيقة أخلاقية وقيمية تكتبها “حكومة السلام الانتقالية” بمداد الأمل والمسؤولية من أجل خلق مستقبلٍ وضاءً، إنها اللحظة الإستثنائية التي تؤكد تلاحم الإرادة السياسية بالوجدان الشعبي، ليعلم القاصي والدَّانِي أن صروح العلم والمعرفة في بلدنا لا تسقطها التحديات، بقدر ما تشيدها سواعد البناء الوفية والمخلصة، جراء إعلان القطاع التعليمي التنفيذي بملء الفم وبأعلى درجات الحرص والثقة بأن السُّودان الجديد يبدأ من هنا للعبور والنهوض بخطى واثقة.
وبالمقابل، وبينما كان غبار الحرب يحاول طمس ملامح المستقبل، فقد جاء من وسط الركام شعاع الأمل من “تأسيس” ليعيد صياغة القدر، تخيلوا معي فجرًا سودانيًا جديدًا، لا تمنع الرصاصة فيه القلم من الكتابة، ولا يوقف فيه نعيق أصوات الفلول العاوية دقات أجراس المدارس، إنه اليوم الذي قررت فيه الإرادة الوطنية بأن “الشهادة الثانوية” ليست ورقة عبور للجامعة، ولكنها وثيقة استقلال العقل السُّوداني من براثن التجهيل المتعمد، لجهة أن تكن هذه الامتحانات جسرًا يمر فوق هاوية “عصابة بورتسودان” ليعبر عليه أكثر من ثلثي طلاب وطالبات السُّودان نحو شمس المعرفة التي لا تغيب أبدًا.
فقد جاء هذا الموقف الواضح والصريح كخيار استراتيجي وموقف حازم ضد ممارسات سلطة بورتسودان التي انتهجت سياسة “الإقصاء التعليمي” كأداة حرب، محولةً حق التعليم إلى امتياز سياسي يُمنح للموالين ويُسلب من الأغلبية في أقاليم السودان المختلفة كعقاب جماعي وعبث سياسي وجريمة “تجهيل ممنهج” تهدف إلي كسر العمود الفقري للمستقبل، ومن هنا جاء دور “تأسيس” لوقف هذا النهج الاستبدادي الذي يرى في وعي الطلاب خطرًا على بقائه.
فإنُّه، ومن رحم المعاناة تولد الإرادات الصلبة القادرة على تجاوز التحديات الكبرى، بتقديم مشروع وطني يعيد صياغة العقد الاجتماعي السُّوداني على أسس من الحقوق والعدالة، إذ إننا اليوم لا نتحدث فقط عن إجراء قيام “امتحانات” عادية، ولكننا نتحدث عن فعل مقاومة حضاري، وعن إعلان سياسي صريح بأن عصر “استخدام التعليم كحرب” قد ولى إلى غير رجعة، حيث أن رؤية “تأسيس” لمستقبل السودان تنطلق من أن العقل السُّوداني هو المورد الأغلى، وأن صيانته هي الضمانة الوحيدة لسيادة الدولة واستقرارها.
ومن نافلة القول، إنَّ هذه المقدمة المبشرة والواعدة لم تكن مجرد كلمات ترص ووعود جوفاء تطلق، وانما هي ميثاق شرف قطعه قادة التغيير على أنفسهم أمام شعبهم والعالم أن التعليم لن يكون بعد اليوم رهينة للمساومات السياسية أو أداة للعقاب الجماعي، إنه فجر جديد يضع “الإنسان” في قلب العملية السياسية، ويؤسس لدولة الخدمات والكرامة والحرية، حيثُ إن عزيمة وإصرار “تأسيس” على المضي قدمًا في العملية التعليمية هو امتلاك حقيقي لزمام المبادرة، وهو تأكيد على أن الدولة ليست “مقارًا وأختامًا” في بورتسودان، ولكنها “رعاية وحماية وتنمية” أينما وجد المواطن السُّوداني، وهذا هو الرهان الذي يثبت أن العزيمة قادرة على تطويع الصعاب اللوجستية والأمنية من أجل إنقاذ مستقبل جيل كامل من الضياع في دهاليز الفراغ.
وبهذه الخطوة الجريئة والشجاعة فقد انهزمت الخرافة القائلة بأن الدولة ما هي إلا “ثكنة عسكرية” أو “خزينة جبايات” وجاء التعريف الحقيقي للدولة بأنها “مؤسسة خدمات” في مقامها الأول، وأن يوضع التعليم في مقدمة الأولويات وسط ظروف الحرب وهذا لهو البرهان القاطع على أن “تأسيس” تمتلك الرؤية والقدرة على قيادة الدولة فالقيادة الحقيقية هي التي تراهن على الإنسان لا على السلاح.
إلى كل أب وأم يخشون على ضياع سنوات كدح أبنائهم فإن “تأسيس” هي حضنكم الآمن، وإلى العالم أجمع، إن من يستطيع تنظيم عملية تعليمية بهذا التعقيد وسط هذه الظروف، هو الأجدر بإرساء قواعد الدولة المدنية الحديثة، وكما إن هذا ليس توزيع وعودًا في الهواء، وانما هو فتح أبواب المدارس.
إلى الذين توهموا أن بإمكانهم حبس شمس المعرفة بأسوار بورتسودان لقد فشلت رهاناتكم، وإن حرمان الطلاب من الامتحانات وصمة عار لن يمحوها التاريخ، ومحاولتكم لتحويل التعليم إلى ورقة ضغط سياسي هي إعلان إفلاس أخلاقي بيد أنْ “تأسيس” اليوم لا تنافسكم على سلطة، ولكنها تنتصر للإنسان السُّوداني الذي سعيتم لإذلاله بالجهل، فانتصر عليكم هذا المواطن المغلوب، بعزمه وبانحيازه لها، وها هي تضيف الي انتصاراتها العسكرية والسيِّاسيِّة انتصار قيمي وأخلاقي جديد وهو الإعداد والتمهيد الجاري الآن على قدمٍ وساقٍ لإقامة امتحانات الشهادة الثانوية السُّودانية من أجل إنقاذ مستقبل الأجيال من الضياع.
الجمعة: 5 يونيو 2026م




