
صهيل الخيل : د. عبدالمجيد عبد الرحمن ابوماجدة
“1”
يعتبر نظام الإدارة الأهلية في السودان نمط من أنماط الحكم التقليدي البدائي إنتشر في بلاد السودان منذ عهود السلطنات القديمة كسلطنة “الفونج والعبدلاب وممالك التنجر وتقلي والمسبعات وسلطنة دارفور” وغيرها من مراكز السلطة في سودان وادي النيل القديم وتطور هذا النظام خلال التجارب والحقب التاريخية للحكم في السودان .
إنّ الإدارة الأهلية بمفهومها العام تعني إدارة القبائل شؤونها متمثلة في زعمائها لشؤون المناطق والوحدات الإدارية التابعة لها من خلال قواعد العرف والعادات والأخلاق في ظل سلطة إشراف من السلطة المركزية ورقابتها وتتمتع بموجب النظم الإدارية بمجموعة من الصلاحيات والسلطات والاختصاصات المحددة وتؤدي مهام معينة تتعلق بقضايا المواطنين في الوحدة الإدارية المعينة التابعة لها ضمن حدود الدستور والقانون .
إنّ نظام الإدارة الأهلية يقوم على حكم السلاطين والشراتي والملوك والنظار والعُمد والشيوخ في المجتمع المحلي .
كما تعد كلمة “السلطان او الشرتاي او الملك او الناظر” حكماً نهائياً نافذاً على أفراد قبائلهم جميعاً وهم من يمثلونهم لدى السلطات المحلية والمركزية في الدولة .
هناك إختلاف في مسميات زعامات الإدارة الأهلية بالسودان من مكان لآخر .
إنّ قبائل البقارة والابالة في غرب السودان وخاصة ولايات دارفور وغرب كردفان فهم يستخدمون لزعمائهم لقب “الناظر او الامير” خلاف القبائل الاخرى التي تستخدم لقب “السلطان او الملك او الشرتاي او الدمنقاوي او الفرشة” .
أما قبائل الفور فهي تستخدم ألقاب مثل “الشرتاي والدملج والدمنقاوي” .
أما لقب السلطان و الفرشة فهو عند قبيلة المساليت بولاية غرب دارفور .
اما قبائل الزغاوة والتنجر بشمال دارفور فيستخدمون كذلك لقب “الملك والشرتاي”
اما قبيلة الداجو كان في قديم الزمان يطلقون على زعمائهم لقب “السلطان والشرتاي” وحديثاً اصبحت القبيلة تنادي زعيمها بلقب السلطان .
إنّ قبيلة البرقد في دارفور كانت في السابق تنادي زعيمها بالشرتاي ولكن حديثاً اصبح زعيمها ناظراً .
الإدارة الأهلية في إقليم دارفور
إنّ نظام الادارة الإهلية بإقليم دارفور فهو حكم تقليدي قديم جداً وكان وما زال هو العمود الفقري للحكم الاهلي في الإقليم الذي يقوم على القبيلة والسلطة التقليدية .
إنّ نظام الادارة الاهلية بدارفور كان موجوداً و نشأ قبل الإسلام في شكل ممالك صغيرة كل مجموعة عندها “ملك” أو “شرتاي” .
كانت هناك سلطنات عاشت قبل سلطنة دارفور مثل سلطنة الداجو والتنجر والبيقو .
للاسف حتى كتابة هذا المنشور لم اجد توثيقاً عن تاريخ قبيلة البيقو العريقة التي كانت لها سلطنة جنوب ولاية دارفور امتدت لسنين عديدة .
اما سلطنة دارفور الإسلامية الممتدة من 1603م الي 1916م فهنا اتبلورت الإدارة الأهلية بشكل مؤسسي قوي .
كان السلطان علي دينار يتخذ الفاشر “فاشر السلطان” عاصمة له وهو رأس الدولة وتحته نظام هرمي “السلطان والدملج و الشرتاي و العمدة و الشيخ”
لكل مستوى من الحكم مسؤول من منطقة وقبيلة معينة .
فالدملج هو حاكم الإقليم أما الشرتاي فهو حاكم المديرية والعمدة فهو حاكم القبيلة والشيخ للفرع وكانت وظيفته جمع الضرائب “الجبايات” حل النزاعات إدارة الأرض وتجنيد الجنود للسلطان .
“2”
إنّ فترة الحكم الثنائي البريطاني 1916م الي 1956م نجد أنّ البريطانيين قاموا بتقوية الإدارة الإهلية بسياسة سموها الحكم غير المباشر
فأعطوا الإدارة الأهلية صلاحيات “قضائية وتنفيذية واسعة “محاكم أهلية و شرطة و جباية .
رسموا الحدود القبلية “الحواكير” وثبتوها رسمياً وأيّ قبيلة عندها حاكورة معروفة .
لذلك نجد إنّ نظام الإدارة الأهلية أصبح من أقوى المؤسسات الاهلية في دارفور بعد الاستعمار .
اما بعد الاستقلال 1956م الي 1989م نجد أنّ الحكومات الوطنية حاولت تهميش دور الإدارة الأهلية وتريد انْ تستبدلها بالمجالس المحلية والاتحادات .
كما نجد نظام الرئيس السوداني الاسبق جعفر محمد نميري قد الغى نظام الادارة الاهلية في العام 1970م .
لكن عملياً اصبحت الادارة الاهلية قوية وموجودة لأنّ الدولة المركزية لم تستطيع بسط هيبتها وسطوتها على المناطق البعيدة وخاصة في كردفان و دارفور وبالتالي تركت الادارة الاهلية تمارس مهامها .
إنّ الإدارة الاهلية اصبحت وظيفتها الأساسية إدارة شؤون قبائلها وحل النزاعات بين الرعاة والمزارعين وإدارة الموارد .
أما فترة الإنقاذ 1989م الي 2019م قامت حكومة الانقاذ بإحياء نظام الإدارة الاهلية وعادت الحكومة للإدارة الأهلية في العام 1995م هيبتها واعتبرتها شريكاً اساسياً في الحكم واعتبرت رجل الإدارة الإهلية هو عينها الساهرة في دارفور وكردفان .
كما قامت حكومة الانقاذ بتسيس رجل الادارة الاهلية وقامت بتعيين امراء و عمد وشيوخ موالين للحكومة وزادت أعداد النظارات والعمد وذلك من اجل كسب ولاء القبائل لمصلحتها .
إنّ حكومة الانقاذ قامت بتكسير بيوت الادارة الاهلية القديمة ذات الثقل القبلي الكبير خاصة في ولاية غرب كردفان وإستعاضة رجال الادارة الاهلية “بالامراء” المواليين للحكومة .
أهم وظائف الإدارة الأهلية في دارفور هو القضاء العرفي “الصلح وحل النزاعات ” وهو أسرع بكثير من المحاكم .
إدارة الأرض و الإشراف على الحواكير والمراحيل والمسارات والتعبئة الاجتماعية و جمع الديات النفير و المساعدات .
كما اصبحت الادارة الاهلية هي حلقة الوصل بين الحكومة المركزية والمواطن في الاقاليم النائية .
إنّ الإدارة الأهلية في دارفور هي ليست مجرد “نظار وشراتي وملوك وسلاطين وعمد وشيوخ ” بل هو نظام حكم وإدارة لشؤون القبائل والحواكير يتجاوز عمرها “400” عام . إنّ الإدارة الاهلية في دارفور قد تطورت من أداة للسلطان لأداةٍ للاستعمار لشريكّ للدولة واليوم هي في مفترق طرق بين التقليد والحداثة .
سيدي الله ينصرك
Abdumajeednetaigazxc1133@gmail.com
كاتب وباحث سوداني



