
أدهم الضهيب
لا تُقاس قدرة الحكومات الجديدة بحجم الشعارات التي ترفعها أو الوعود التي تطلقها، وإنما بقدرتها على التعامل مع الأزمات الحقيقية التي تمس حياة المواطنين وأمنهم واستقرارهم. ومن هذا المنطلق، يشكل الصراع المتجدد بين قبيلتي بني هلبة والسلامات واحداً من أكثر التحديات حساسية أمام حكومة السلام، بل ربما يكون أول اختبار عملي لمدى قدرتها على إدارة الملفات المعقدة التي ظلت تؤرق إقليم دارفور لعقود طويلة.
فالنزاعات القبلية في دارفور ليست أحداثاً طارئة أو معزولة عن سياقها التاريخي، وإنما هي نتاج تراكمات ممتدة من التهميش التنموي وضعف مؤسسات الدولة وغياب المعالجات الجذرية لقضايا الأرض والموارد ومسارات الرعي. وقد ظلت الحكومات المركزية المتعاقبة تتعامل مع هذه الأزمات بمنطق الاحتواء المؤقت وإطفاء الحرائق، دون أن تنجح في بناء حلول مستدامة تمنع تجددها مستقبلاً.
اليوم يجد رئيس المجلس الرئاسي الفريق أول محمد حمدان دقلو، ورئيس مجلس الوزراء الأستاذ محمد حسن التعايشي، وحاكم إقليم دارفور الدكتور الهادي إدريس، أنفسهم أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز مجرد احتواء النزاع الراهن. فالمطلوب ليس فقط وقف إطلاق النار وتهدئة التوتر، وإنما وضع أسس جديدة لمعالجة الأسباب العميقة التي تنتج مثل هذه الصراعات بصورة متكررة.
إن إنسان دارفور الذي دفع أثماناً باهظة من أمنه واستقراره وتنميته، لم يعد ينتظر بيانات الإدانة أو لجان التحقيق التقليدية بقدر ما يتطلع إلى رؤية سياسية وإدارية مختلفة تنقل الإقليم من دائرة إدارة الأزمات إلى دائرة صناعة الاستقرار. وهذا يتطلب حضوراً قوياً للدولة ومؤسساتها، وتفعيل آليات العدالة والمصالحات المجتمعية، وإطلاق مشاريع تنموية حقيقية تعالج جذور التنافس على الموارد وتفتح آفاقاً جديدة للتعايش والتكامل بين المكونات الاجتماعية.
كما أن نجاح حكومة السلام في هذا الملف سيبعث برسالة مهمة إلى جميع السودانيين مفادها أن الدولة الجديدة قادرة على حماية المواطنين وصون السلم الأهلي وبناء نموذج مختلف عن التجارب السابقة التي عجزت عن تحقيق الأمن والاستقرار المستدامين.
ويبقى السؤال مطروحاً بقوة: هل ستنجح حكومة السلام في تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإرساء معادلة جديدة للسلام المجتمعي في دارفور؟ أم أن النزاعات التقليدية ستظل تدور في الحلقة ذاتها التي استنزفت الإقليم وأعاقت مسيرته لعقود؟
الإجابة لن تصنعها التصريحات السياسية، وإنما ستصنعها الإجراءات العملية على الأرض. فدارفور اليوم لا تحتاج إلى إدارة الأزمة فحسب، بل تحتاج إلى مشروع متكامل يؤسس لسلام دائم وعدالة متوازنة وتنمية تعيد الثقة بين الدولة والمجتمع. وعندها فقط يمكن القول إن حكومة السلام قد اجتازت بالفعل أحد أصعب امتحاناتها وأكثرها أهمية.




