رأي

جرس نيالا يقرع أبواب السودان الجديد

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

حين يعود التلاميذ إلى مدارسهم تبدأ الأوطان باستعادة نفسها

 

ليست كل الأجراس سواء.

فثمة أجراس تعلن بداية يوم دراسي عادي، وثمة أجراس أخرى تتحول إلى لحظة فارقة في تاريخ الشعوب، لأنها لا تدشن امتحاناً فحسب، بل تدشن مرحلة كاملة من التحول الوطني. وحين قرع رئيس المجلس الرئاسي الفريق أول محمد حمدان دقلو صباح السابع من يونيو 2026 بمدينة نيالا جرس انطلاق امتحانات الشهادة السودانية بمناطق حكومة السلام، لم يكن المشهد مجرد مناسبة تعليمية عابرة، وإنما كان حدثاً سياسياً واجتماعياً وإنسانياً بامتياز، حمل في تفاصيله معاني تتجاوز حدود قاعات الامتحانات إلى فضاء أوسع يتعلق بمستقبل السودان نفسه.

في تلك اللحظة لم يكن الجرس قطعة معدنية تصدر صوتاً عابراً.

كان إعلاناً بأن الحياة أقوى من الحرب.

وأن المستقبل أقوى من الخراب.

وأن الشعوب قادرة على النهوض مهما بلغت التحديات.

لقد جلس أكثر من تسعة آلاف طالب وطالبة لأداء امتحانات الشهادة السودانية في تسعة وسبعين مركزاً موزعة على ولايات دارفور وكردفان ومركز الإقليم الأوسط بمدينة نيالا، بعد ثلاثة أعوام كاملة من الانقطاع والحرمان بسبب الحرب التي عصفت بالبلاد وألقت بظلالها الثقيلة على مختلف القطاعات، وفي مقدمتها قطاع التعليم.

وربما تبدو الأرقام في ظاهرها مجرد إحصاءات إدارية، لكنها في حقيقتها تحمل دلالات أكبر بكثير. فكل طالب جلس للامتحان يمثل قصة صمود كاملة، وكل أسرة أوصلت أبناءها إلى مقاعد الامتحانات تمثل انتصاراً صغيراً على الخوف والقلق والظروف القاسية التي عاشتها البلاد خلال السنوات الماضية.

فالحروب لا تدمر المباني وحدها.

ولا تحرق الأسواق والمرافق العامة فقط.

بل تحاول أيضاً أن تسرق أحلام الأجيال القادمة وأن تغلق أمامها أبواب المستقبل.

ولهذا فإن عودة الامتحانات لم تكن مجرد نجاح إداري أو تربوي، وإنما كانت استعادة لواحد من أهم الحقوق الأساسية للمواطن السوداني، وهو الحق في التعليم والمعرفة وصناعة المستقبل.

لقد عانت مناطق واسعة من السودان لعقود طويلة من اختلالات التنمية وعدم التوازن في توزيع الخدمات والفرص. وظلت قضية التعليم واحدة من أبرز تجليات هذا الخلل التاريخي، حيث دفعت الأقاليم البعيدة عن المركز أثماناً باهظة نتيجة التهميش والإهمال وضعف البنية التعليمية.

ومن هنا تكتسب نيالا رمزيتها الخاصة في هذه اللحظة التاريخية.

فالمدينة التي عرفت الحرب كما عرفت الصمود، والتي عاشت سنوات طويلة من التحديات الأمنية والإنسانية، تحولت في ذلك اليوم إلى منصة وطنية لإطلاق رسالة جديدة إلى السودان والعالم مفادها أن بناء الدولة لا يبدأ من فوهات البنادق، بل يبدأ من المدارس والجامعات وقاعات الامتحانات.

ولهذا لم تكن دموع الأمهات والآباء التي سالت في ساحات المدارس مجرد مشاعر عابرة أو لحظات فرح شخصية. لقد كانت تعبيراً عن شعور جماعي بأن المستقبل عاد يطرق الأبواب من جديد، وأن جيلاً كاملاً لم يعد أسيراً للحرب وظروفها القاسية.

كان المشهد أكبر من الكلمات.

وكانت الصور أبلغ من الخطب.

وكانت دفاتر الامتحانات أكثر تأثيراً من كثير من الشعارات السياسية.

ففي تلك اللحظة بدا وكأن السودان يبعث برسالة واضحة إلى نفسه قبل أن يبعثها إلى الآخرين: أن هذا الشعب ما زال قادراً على إنتاج الأمل رغم كل ما مر به من أزمات وصراعات وانقسامات.

إن القيمة الحقيقية لما جرى في نيالا لا تكمن فقط في انعقاد الامتحانات، وإنما في الرسالة الكامنة خلف هذا الحدث. فاستعادة العملية التعليمية تعني استعادة وظيفة أساسية من وظائف الدولة. وتعني أن مؤسسات الخدمة العامة قادرة على العودة والعمل رغم الظروف الصعبة. وتعني أيضاً أن الحديث عن إعادة البناء لم يعد مجرد شعارات سياسية أو وعود مؤجلة، وإنما بدأ يتحول تدريجياً إلى وقائع ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

ومن هذا المنطلق اكتسب حضور رئيس المجلس الرئاسي الفريق أول محمد حمدان دقلو أهمية خاصة لدى قطاعات واسعة من المواطنين الذين تابعوا الحدث. فالرجل لم يظهر في مناسبة سياسية أو احتفال رسمي تقليدي، وإنما ظهر وسط الطلاب والمعلمين والأسر في لحظة ترتبط مباشرة بمستقبل المجتمع.

وقد رأى كثيرون في تلك الصورة دلالة تتجاوز البروتوكول الرسمي، لتصبح تعبيراً عن مرحلة جديدة تحاول أن تجعل التعليم والخدمات والتنمية في صدارة الأولويات الوطنية.

فالشعوب لا تقيس نجاح الحكومات بعدد الخطب التي تلقى، وإنما بما ينعكس على حياتها اليومية من خدمات وفرص وتحسين للأوضاع العامة. وحين يعود الطلاب إلى مدارسهم بعد سنوات من الانقطاع، فإن ذلك يصبح بالنسبة للمجتمع مؤشراً حقيقياً على أن عجلة الحياة بدأت تدور من جديد.

ولعل أكثر ما يمنح هذا الحدث أهميته أنه جاء في وقت ما تزال فيه البلاد تواجه تحديات جسيمة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية. ولذلك فإن تنظيم امتحانات بهذا الحجم وفي هذا التوقيت يبعث برسالة مفادها أن الاستثمار في الإنسان يجب أن يظل أولوية مهما كانت الظروف.

فالسودان لا يحتاج فقط إلى وقف الحروب.

ولا يحتاج فقط إلى تسويات سياسية.

بل يحتاج قبل كل شيء إلى بناء الإنسان القادر على حمل مشروع المستقبل.

فالأمم لا تتقدم بما تمتلكه من موارد طبيعية فقط، وإنما بما تمتلكه من عقول متعلمة وكفاءات بشرية ومؤسسات تعليمية قوية.

ولهذا فإن آلاف الطلاب الذين جلسوا للامتحانات في ذلك الصباح لم يكونوا يؤدون اختباراً دراسياً عادياً، وإنما كانوا يشاركون بصورة رمزية في كتابة فصل جديد من تاريخ بلادهم.

كانت كل ورقة إجابة إعلاناً عن التمسك بالحياة.

وكان كل مقعد امتحان انتصاراً على اليأس.

وكان كل طالب يدخل قاعة الامتحان يحمل معه حلماً شخصياً ومستقبلاً وطنياً في الوقت نفسه.

إن التجارب الإنسانية الكبرى أثبتت أن الدول التي تنجح في الاستثمار في التعليم تنجح في بناء مستقبل أكثر استقراراً وعدالة وازدهاراً. ولذلك فإن المعركة الحقيقية التي تنتظر السودان خلال السنوات المقبلة ليست معركة السيطرة على الأرض أو إدارة الصراع السياسي فحسب، وإنما معركة بناء الإنسان السوداني وتمكينه من أدوات المعرفة والعلم والإبداع.

فالمعركة المقبلة ليست معركة البنادق.

بل معركة المدارس.

وليست معركة المواقع العسكرية.

بل معركة الجامعات ومراكز البحث والإنتاج.

وليست معركة الحاضر فقط.

بل معركة المستقبل كله.

ولهذا سيظل السابع من يونيو 2026 تاريخاً يحمل دلالة خاصة في ذاكرة كثير من السودانيين. ليس فقط لأنه شهد انطلاق امتحانات الشهادة السودانية، وإنما لأنه قدم نموذجاً عملياً لكيف يمكن للمجتمعات أن تنتصر للحياة رغم كل الظروف الصعبة.

سيذكر التاريخ الحروب والصراعات والتحولات السياسية الكبرى، لكنه يحتفظ دائماً بمكانة استثنائية للحظات التي تنتصر فيها الشعوب للعلم والمعرفة والأمل.

ولهذا سيبقى جرس نيالا أكثر من مجرد جرس مدرسة.

سيبقى رمزاً للحظة انتصر فيها التعليم على الحرب.

وانتصر فيها الأمل على الخوف.

وانتصرت فيها إرادة الحياة على سنوات الحرمان والانقطاع.

وفي تلك اللحظة بالتحديد، لم تكن نيالا تفتتح امتحانات الشهادة السودانية فقط، بل كانت تفتح باباً واسعاً نحو السودان الذي حلمت به أجيال متعاقبة؛ سودان العدالة والكرامة والتنمية والسلام، وسودان يؤمن بأن بناء الإنسان هو الطريق الأقصر لبناء الدولة، وأن المعرفة تظل السلاح الأقوى في مواجهة كل أشكال التخلف والانقسام والدمار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!