

إنّ تراكم الأزمات في ما يُعرف بالدولة السودانية، وعجزها التاريخي المتجذّر، يُجسّد على نحو دقيق مآلات عقلية ما بعد الاستعمار، تلك العقلية التي لم تُنتج مشروعًا وطنيًا للبناء والتعمير، بل انحصرت في أنماط تفكير رغائبية، سطحية، سطَّرها انشغال النخب المبكر بشعارات التحرير والجلاء أكثر من انشغالها بتأسيس دولة حديثة. وقد ولدت تلك النخب من رحم دعاوى مقاومة الاستعمار، فاستقرت – ذهنيًا وتنظيميًا – في محطة الجلاء، من دون أن تحمل رؤى لما بعده. وبهذا وقعت الدولة السودانية منذ نشأتها تحت سطوة نخب فقيرة الخيال، مدمنة للفشل، كما وصفها بدقة المفكر الراحل الدكتور منصور خالد في كتابه الشهير “النخبة السودانية وإدمان الفشل”.
لم تكن الأحزاب السياسية في السودان سوى انعكاس مباشر لذلك العجز البنيوي. فقد افتقرت إلى فكرة مركزية، وضعُفت هياكلها التنظيمية، وظلّت رهينة للطائفية والعقائدية، تتأرجح بين أطر أيديولوجية متناقضة كالماركسية والقطرية والإسلاموية. وكل تلك القوالب المغلقة تناقض بطبيعتها جوهر الديمقراطية، وهو ما جعل الممارسة الحزبية تبدو دائمًا مشوّهة، قاصرة، محكومة بمظاهر شكلية لا تمت إلى الديمقراطية الحقيقية بصلة.
وقد أنتج هذا التشوّه السياسي وعيًا جماهيريًا زائفًا، تغذّيه الشعارات الديماغوجية الجوفاء، التي افتقدت إلى أي مرتكزات واقعية أو منطقية، فلم تجد سبيلًا للتنفيذ، وبقيت حبيسة المنابر والبيانات. وزاد الطين بلة، أنّ هذه الأحزاب نفسها وقعت فريسة لضغوط الأنظمة العسكرية المتعاقبة؛ فبعضها نُكِّل به، وبعضها صالحها، لكن ظلت بينها وبين العسكر خيوط دقيقة من التواطؤ أو المصالح المتبادلة، جعلت من الانقلابات العسكرية سلوكًا مكرورًا تجد له دائمًا غطاءً سياسيًا من ذات القوى التي تُنكر عليه علنًا.
ومما يزيد المشهد قتامة أن معظم الصراعات السياسية لم تكن صراعات أفكار أو برامج، بل كانت – ولا تزال – امتدادات لصراعات اجتماعية متجذّرة، وظّفتها النخب لتثبيت مصالحها، لا لتجاوزها أو معالجتها. حتى الذين انتقدوا هذا الواقع، أمثال الصادق المهدي – رحمه الله – لم يخرجوا عنه عمليًا، رغم تكرارهم لخطاب نقدي يدعو إلى تحرّر الأحزاب من قيود النشأة والتكوين. فقد دعا المهدي مرارًا إلى انفكاك حزب الأمة عن القيد الأنصاري، والاتحادي عن القيد الختمي، والحزب الشيوعي عن الماركسية، والإسلاميين عن الثيوقراطية، والعروبيين عن الحصرية القطرية. لكنه نفسه ظلّ يجمع بين إمامة الأنصار وقيادة الحزب، من المهد إلى اللحد، في مفارقة سافرة لما يدعو إليه.
ولم تكن الأحزاب المسماة “حداثوية” أفضل حالًا. فرغم تسميتها بالديمقراطية، فإنها لم تمارس الديمقراطية داخل مؤسساتها، بل كانت بعيدة كل البعد عنها. فكيف يُرجى من فاقد الشيء أن يعطيه؟
هذه الأحزاب، المتوارثة داخل أسر وبيوتات ومكونات اجتماعية بعينها، لم تعد تصلح لإنتاج أي مشروع وطني. وهي – في سوئها – ليست بأفضل من جيشٍ مُشوَّه، ورثناه عن المستعمر دون إعادة هيكلة أو تعريف وظيفي.
لهذا، فإن الواجب اليوم هو العودة إلى نقطة البدء؛ إلى “المنصة”. يجب أن نهدم هذا المعبد السياسي الذي شيّدته النخب، لا على قواعد وطنية، بل على دعائم طائفية وجهوية وأيديولوجية ضيقة، ثم نعيد البناء على أنقاضه. نحتاج إلى مؤسسات وطنية تعبّر عن جميع شعوب السودان، لا عن نخبة مختطفة للدولة، تسلّلت حتى إلى قلب مؤسساتها المدنية.




