رأي

العود الأبدي للفشل: كيف حوّلت “مقاعد السلطة” السودان إلى ساحة تمرد دائم

د. عبد الله محمد ادم


في المشهد السياسي السوداني المتعثر، تحوّلت صفقات تقاسم السلطة مع الحركات المسلحة من أداة لإحلال السلام إلى محفّذ خطير لنشوء حركات جديدة، هذه الظاهرة ليست مجرد خلل تكتيكي لمعالجة قضايا السودان المزمنة، بل هي تعبير صارخ عن فشل متجذر في الخيال السياسي السوداني، وإدارة متكررة للأزمات بنفس الأدوات المعيبة، مما حوّل السودان إلى حلقة مفرغة من العنف والتفكك، منذ استقلاله و الي يومنا هذا ، حيث تبدو ملامح آلية الانهيار من التمرد إلى الوزارة و قد أصبحت معادلة “التمرد ثم التفاوض للحصول على منصب مستدام” هي المسار الأكثر ضماناً للوصول إلى السلطة والموارد، فالحركات المسلحة، بغض النظر عن مشروعيتها السياسية أو شفافيتها، تدرك أن حمل السلاح هو التذكرة الأسرع لمقعد في الحكومة أو سيادة إقليم، هذا الواقع حوّل النضال المزعوم من أجل “تغيير النظام” إلى مجرد مساومة لاقتسام كعكة الفساد نفسه، فلم تعد الثورات تهدف لهدم هياكل الظلم بل لاحتلال جزء منها، و في فشل الخيال و العجز عن تصور بدائل تكمن الكارثة و تظهر عجز النخب المتعاقبة – حكومات وثورات – عن تجاوز نموذج مجلس السيادة (من عشرة افراد متشاكسين) أو توزيع الوزارات كحل سحري. إنه فشل ذريع في الخيال السياسي السوداني
فغياب القائد الملهم في كل الثورات (خاصة ديسمبر 2019) التي تحركت دون ان تقدم قائداً جامعاً (Charismatic Leader) يوحّد الرؤية ويوقد الحماس، و تم تعويضه بـ “مجلس سيادة” و ريس وزراء لم يسمع به اغلب الثوار من ذي قبل ،كرس الانقسام و عاشت الثورة وهم الشراكة وواقع الفوضى و شهدنا تطبيق الحكمة السودانية (مراح البقر لا يقبل فحلين) او ( اكثر من كابتن بغرقوا المركب) والإنجليزية (If everybody is in charge, no one is in charge” ليصبح مثالا حياً، فتعدد مراكز القرار في هيئات مثل “مجلس السيادة” ليشلّ الفعل ويحوّل الطاقة نحو الصراعات الداخلية بدلاً من حل مشاكل المواطن و يساعد علي إعادة إنتاج الأزمة، فكل اتفاقية تقاسم سلطة تخلق طبقة جديدة من المستفيدين المرتبطين بالنظام القديم، وتولد غضباً لدى المهمشين، مما يدفع مجموعات جديدة لرفع السلاح كي “تُسمع” وتُكافأ بمقعد في الدورة القادمة. و كان الثمن الباهظ في كل مرة هو السودان الضائع.
ان هذه الآلية المدمرة تلتهم مستقبل السودان و تكرس الفساد، حين تصبح الوزارات والمؤسسات غنائم للحركات، لا أدوات لخدمة الشعب.
و يقود ذلك الي تآكل الشرعية، عندما يفقد المواطن الثقة في كل الأطراف – الحكومة والحركات – لانغماسها في الصفقات و استنزاف الموارد التي تصرف على الصراعات المسلحة وصفقات تقاسم السلطة بدلاً من التنمية
ان وأد الأحلام الثورية المتكررة قد تحوّل الثورات الحقيقية إلى مجرد عملية تناوب نخبوي لذا يجب كسر هذه الحلقة الشريرة ، لكن ذلك يحتاج شجاعة التخيل في كيفية الخروج من هذا “العود الأبدي” للفشل و يتطلب جرأة لم تظهر بعد لتضع حد لاقتصاد التمرد بوضوح و رفض منح مناصب حكومية كشرط لوقف إطلاق النار و يجب في اي اتفاق سلام أن يكون نزع السلاح وإعادة الدمج أولاً، والمشاركة السياسية عبر صناديق الاقتراع فقط ، ذلك ان كنا نتخيل بناء دولة المؤسسات و استعادة هيبة الدولة عبر مؤسسات محايدة وقوية (قضاء، خدمة مدنية، جيش وطني موحد) تحل محل تقاسم المناصب القبلي/الحركي، لان الاستثمار في الحلول الجذرية يجب ان يبدا بمعالجة أسباب التمرد الحقيقية (التهميش، التنمية، العدالة) بدلاً من أعراضها (المطالبة بالمقاعد) و البحث عن نموذج قيادي يستمد شرعيته من الإنجاز والرؤية لا من القوة العسكرية أو المحاصصة، فإن استمرار الاعتماد على “توزيع الوظائف” كدواء لكل داء ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل هو استسلام لفقر الخيال السياسي وإدانة للسودان بدورة لا تنتهي من العنف والخراب و كسر هذه الحلقة يتطلب أكثر من شجاعة المواجهة؛ يتطلب شجاعة التخيل لسودان مختلف، حيث السلطة مسؤولية تُكتسب بالبرنامج والإنجاز، لا بالرصاص والتهديد، لكن يتبقي لي السؤال الأقسى: هل تمتلك النخب الحالية هذه الشجاعة، أم أن السودان محكوم عليه بتكرار مأساته إلى ما لا نهاية؟
والله المستعان
عبدالله محمد ادم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!