امتحانات نيالا: انتصار الحق في التعليم وتحديات الاعتراف بالمستقبل الأكاديمي (2/2)
د.نور الدين هلال

د.نورالدين هلال
عضو المكتب التنفيذي لإتحاد المهنيين والنقابات(تأسيس)
مستقبل الشهادة بين المخاوف المشروعة والحاجة لبثً الطمأنينة.
تناول الجزء الأول من المقال الظروف الموضوعية التي أحاطت بانعقاد اول امتحانات للشهادة السودانية في (نيالا) وسبعة ولايات أخرى وجلوس عدد مقدر من الطلاب/ت بلغ تعدادهم نحو عشرة آلاف طالب وطالبة والدلالات الإنسانية والسياسية التي صاحبت الخطوة.
وفي هذا الجزء من المقال نناقش ونفند بهدوء الهواجس المتعلقة بمستقبل الشهادة وفرص الاعتراف بها والخطوات الضرورية لاستيعاب الطلاب في مؤسسات التعليم العالي داخل البلاد وخارجها.
صحيح أنه وبرغم مشاعر الترحيب الواسعة بانعقاد الامتحانات، إلا أن المخاوف التي تساور الطلاب وأسرهم بخصوص مستقبل هذه الشهادة تظل مخاوف مشروعة تستحق نقاشاً موضوعياً ومسؤولاً يبعث بالطمأنينة ويبدد هذه المخاوف التي يتم بتعمد أو جهل، زرعها في النفوس كل ما دار نقاش حول قرب الإمتحانات وجدوى الجلوس لها، فالسؤال الأكثر حضوراً الآن، بعد إذ صارت الإمتحانات واقعا يمشي برجلين، هو: ماذا بعد الامتحانات؟
تتركز جل التساؤلات حول مدى الاعتراف بالشهادة، والى اي مدى يمكن التحاق الناجحين بمؤسسات التعليم العالي؟ ثم تمتد الأسئلة الى فرص توثيق المؤهلات الأكاديمية مستقبلاً؟ وهي أسئلة اعتقد إنها طبيعية في ظل الواقع السياسي الحالي.
وللإجابة عليها يلزم أن نستصحب التجارب الدولية والتي تشير إلى أن مسألة الاعتراف بالمؤهلات التعليمية ليست بالصعوبة التي يتصورها البعض والتي تصل مرحلة الجمود، كما أنها ليست بالسهولة التي تجعلها في متناول اليد أو تلقائية. فمن الناحية العملية لا يوجد في القانون الدولي نظام تشريعي موحد أو نظام عالمي يلزم جميع الدول باتباع معايير محددة للاعتراف بالشهادات الثانوية الصادرة من بلدان أو دول أخرى، وغالباً ما يرتبط الأمر بعلاقات الاعتراف المتبادل بين السلطات والمؤسسات التعليمية في بلدين. ولهذا فإن هذا المعيار معيار نسبي يخص سلطات كل بلد على حدى في إطار تنظيم العلاقات الدولية ويظل موضوع الاعتراف بالوثائق والشهادات الأكاديمية مرتبطا بالاعتراف بالسلطة القائمة نفسها، ومع ذلك تظل ممارسات تلك السلطة وسلوكها عادة محل نظر قابلة للأخذ والرد وبشكل خاص عندما يتعلق الأمر بذلك النوع من(الحقوق) اللصيقة بالإنسان والتي تكفلت بحفظها وصيانتها الوثائق الدولية، وصارت قانونا يتجاوز المفاهيم الضيقة للسلطة ويتعداها ليحكم مباشرة العلاقات الإنسانية، ولأن(حق التعليم) يأتي في مقدمة تلك الحقوق فإن العرف والتجارب الدولية بشأنها ذهبت تجاه تجاوز معيار السلطة في حال نشوب صراع مسلح في بلد ما أدي لانقسام السلطة فيها وتسبب ذلك في حرمان قطاع واسع من مواطني ذلك البلد.
ومع ان هذا الأمر يمكن التأويل عليه(بخصوص الحالة السياسية الراهنة) وإيجاد فرص قبول للطلاب الناجحين بغية التحاقهم بمؤسسات التعليم العالي في الخارج، إلا أنه وفي ذات الوقت يلقي أعباء إضافية على الحكومة أو السلطة القائمة فالأمر ليس(تلقائيا) كما ذكرنا، وعليه من الضرورة أتباع اعلى معايير الشفافية والنزاهة لتنظيم الامتحانات من خلال التقيد التام بمطلوبات الامتحان بدءا من اللجنة الخاصة إلى الكنترول ولجان مستقلة لوضع الإمتحانات وأنظمة دقيقة للتصحيح والمراجعة وصولا لإعلان النتائج النهائية وإجراءات دقيقة لإصدار الشهادات. بجانب الحرص على توفير قاعدة بيانات إلكترونية وسجلات ورقية للنتائج يمكن الوصول إليها مستقبلا، آخذين في الاعتبار إن العامل الحاسم في نجاح هذه التجربة لن يكون الجانب السياسي وحده، وإنما مستوى النزاهة والشفافية الذي يحكم العملية بصورة شاملة، فكلما التزمت الحكومة(السلطة)والجهات المنظمة بأعلى المعايير المهنية في إعداد الامتحانات وإدارتها وتصحيحها وإعلان نتائجها، ازدادت فرص قبول الشهادات والتعامل معها بصورة إيجابية في الخارج.
أما على صعيد مؤسسات التعليم العالي في الداخل، فإن المسؤولية لا تقل أهمية. إذ يتعين ابتدأ إنشاء أو تسمية جهة حكومية مختصة بإدارة القبول الجامعي تتولى التنسيق بين الجامعات، على أن تضع المؤسسات الأكاديمية(بصورة مستقلة)خططاً واضحة للاستيعاب وشروطاً معلنة للقبول، مع المحافظة على سجل أكاديمي متكامل لكل طالب وطالبة، وتطبيق نظم تقييم ونقل خاضعة لرقابة المجالس العلمية داخل الكليات وفي مستوى المؤسسة الجامعية.
فالغرض من وجود السجلات الأكاديمية والتقيد بالإجراءات المذكورة لا يخدم العملية التعليمية المتواصلة فحسب، بل يمثل أيضاً (الضمانة) الأساسية للطلاب عند الحاجة مستقبلاً إلى توثيق مؤهلاتهم أو معادلتها أو استكمال دراستهم داخل السودان وخارجه.
ففي نهاية المطاف، فإن مستقبل هذه المؤهلات يظل مرتبطاً بمستقبل العملية السياسية نفسها فالحرب لن تدوم إلى الأبد، ومهما تعقدت الأوضاع فإنها وفي نهاية المطاف ستنتهي، إما بامتداد سلطة حكومة السلام والوحدة سياسيا على كامل تراب البلاد أو بتسوية سلمية شاملة تعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة.
وعندما يحين ذلك الوقت، ستكون المحافظة على المعايير الأكاديمية والوثائق والسجلات الدقيقة هي الجسر الذي يعبر عليه هؤلاء الطلاب نحو المستقبل.
إن الواجب الأخلاقي والوطني يقتضي اليوم دعم حق هؤلاء الطلاب في التعليم وعدم تحميلهم أعباء الصراع السياسي فهم ليسوا طرفاً في الحرب، وإنما جيل كامل يتطلع إلى فرص عادلة لبناء حياته وخدمة وطنه.
ختاماً، نتمنى التوفيق والنجاح لجميع الطلاب والطالبات الجالسين للامتحانات، كما نتمنى السداد للجنة الإشرافية العليا وإدارة الامتحانات وكل العاملين في هذا الجهد الكبير، آملين أن تمثل هذه الخطوة بداية لاستعادة حق التعليم لكل أبناء وبنات السودان دون تمييز أو إقصاء.
ونحن بدورنا في إتحاد المهنيين والنقابات وفي تحالف أساتذة الجامعات(تأسيس)اساتذة وموظفين وعمال على أتم الإستعداد للبدء فورا في تشغيل الجامعات والمراكز البحثية وإعداد ما يلزم من تدابير من أجل استقبال طالباتنا وطلابنا الناجحين في امتحانات الشهادة السودانية من مختلف بقاع وطننا الحبيب.




