رأي

حكومة الانقلاب ترفض الامتحانات !!

عكاشة عمر علي

 

عكاشة عمر علي

في لحظات التحولات الكبرى تتكشف المواقف الحقيقية، وتسقط الأقنعة التي طالما أخفت وجوه أصحابها. ففي أزمنة المحن والاختبارات الوطنية لا يعود هناك مجال للحياد أو التمويه؛ إذ يتموضع الجميع في خنادقهم الواضحة، وينقسم الناس بين من يقف مع الحياة والأمل والمستقبل، ومن يراهن على الجهل والحرمان واليأس.

وقد كشفت حرب الخامس عشر من أبريل هذه الحقائق بوضوح غير مسبوق، لكن المشهد الأبرز تجلى مع انطلاق امتحانات الشهادة السودانية في مناطق حكومة السلام، حيث دوى جرس الامتحانات كإعلان مدوٍّ لانتصار الإرادة الإنسانية على الحرب، وانتصار القلم على الرصاص، والأمل على مشاريع التجهيل والإقصاء.

فبينما انشغل آلاف الطلاب والطالبات بأداء امتحاناتهم بعد سنوات من الحرمان القاسي، كانت الأسر السودانية تعيش لحظات فرح استثنائية وهي ترى أبناءها يستعيدون حقاً أصيلاً سُلب منهم لثلاثة أعوام كاملة. لقد امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بصور الطلاب وعبارات التهاني والدعوات، وتحول المشهد إلى احتفال شعبي واسع يؤكد أن التعليم سيظل القضية الأكثر ارتباطاً بمستقبل السودان.

وفي خضم هذه الفرحة الوطنية، خرج بيان منسوب لوالي جنوب دارفور السابق بشير مرسال، المقيم في بورتسودان، معلناً رفضه قيام الامتحانات والتشكيك في مشروعيتها ونتائجها. وهو موقف أثار استغراباً واسعاً، ليس فقط لأنه يستهدف حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وإنما لأنه يكشف حجم العداء الذي تكنه بعض الأطراف لكل خطوة تعيد الحياة الطبيعية إلى المواطنين.

إن أخطر ما في ذلك البيان أنه لم يوجه انتقاداً لإجراءات تنظيمية أو فنية، بل استهدف جوهر العملية التعليمية نفسها، وسعى إلى نزع الشرعية عن امتحانات جلس لها آلاف الطلاب الذين انتظروا هذه اللحظة سنوات طويلة. وهو موقف يطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا يتحول التعليم إلى ساحة للصراع السياسي؟ ولماذا يُراد لمعاناة الطلاب أن تستمر رغم كل ما عانوه من نزوح وتشريد وحرمان؟

لقد أثبتت حكومة السلام أنها اختارت الانحياز إلى حق الإنسان في التعليم، واعتبرت أن المدرسة ليست طرفاً في الحرب، وأن الطالب لا ينبغي أن يكون ضحية للصراعات السياسية والعسكرية. ولذلك تعاملت مع ملف التعليم باعتباره مسؤولية أخلاقية ووطنية لا تحتمل التأجيل أو المساومة.

أما الذين يرفضون قيام الامتحانات اليوم، فإنهم يتجاهلون حقيقة أن ملايين السودانيين دفعوا ثمناً باهظاً نتيجة تعطيل المؤسسات التعليمية وإغلاق المدارس وحرمان الأجيال من حقها الطبيعي في التعلم. فالجريمة الحقيقية ليست في إقامة الامتحانات، بل في منعها. وليست في فتح أبواب المدارس، بل في إغلاقها أمام الطلاب.

لقد جاءت امتحانات الشهادة السودانية هذا العام لتؤكد أن إرادة الشعوب لا تُهزم، وأن التعليم سيبقى أقوى من الحرب، وأن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى بالبنادق والشعارات، بل بالمدارس والجامعات والمعرفة.

وإذا كان البعض قد اختار أن يقف في مواجهة حق الطلاب في التعليم، فإن التاريخ سيسجل أيضاً أن هناك من تحمل المسؤولية وفتح أبواب الأمل من جديد أمام جيل كامل كاد أن تضيع أحلامه بين أزيز الرصاص وضجيج الحرب.

لقد انطلق قطار التعليم من جديد، ولن توقفه بيانات الرفض، لأن الشعوب التي تؤمن بالعلم قادرة دائماً على صناعة مستقبلها مهما عظمت التحديات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!