رأي

البنية التحتية في غرب السودان ضحية هجوم المسيرات الإيرانية والتركية 

نجوي بابو

 

نجوى بابو

لم يعد ما يجري في كردفان ودارفور والنيل الأزرق مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين متحاربين، بل تحول إلى استهداف ممنهج للمجتمعات ولمقومات الحياة الأساسية، وإلى عملية تفكيك متسارعة للبنية التي يقوم عليها المجتمع والدولة. فعندما تُستهدف البنية التحتية ، لا يعود الأمر متعلقاً بنتائج عسكرية مباشرة، بل بقدرة مجتمع بأكمله على الاستمرار والبقاء.

يكشف الواقع على الأرض عن نمط أكثر خطورة من الحروب التقليدية؛ إذ تتجاوز آثار النزاع ساحات القتال لتطال حياة المدنيين اليومية( سياسة الحفر بالإبرة ) . ويبدأ هذا الانهيار من تفاصيل تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنه ينتهي بإعادة تشكيل المجتمع على أسس من العزلة والفقر والانقطاع. فالمستشفى الذي يتوقف عن العمل لا يعني مجرد غياب خدمة صحية، بل يعني أن الحق في الحياة أصبح مهدداً. والمدرسة التي تُغلق أبوابها لا تمثل تعطلاً مؤقتاً للعملية التعليمية، بل تعني تأجيل المستقبل إلى أجل غير معلوم. أما الجسر الذي يُدمر أو يتعطل، فلا يقطع طريقاً فحسب، بل يفصل الناس عن مصادر رزقهم وخدماتهم الأساسية.

ولم تعد البنية التحتية مجرد خلفية مدنية للصراع، بل أصبحت إحدى ساحاته الرئيسية. فكل مرفق يتعطل يفتح الباب أمام انهيارات أخرى أكثر عمقاً: انهيار التعليم، وتراجع الخدمات الصحية، وتعطل الحركة الاقتصادية والاجتماعية، وصولاً إلى تآكل الشعور بوجود الدولة نفسها. فالدولة التي تعجز عن تأمين طريق، أو تشغيل مستشفى، أو ضمان وصول المواطنين إلى الخدمات الأساسية، تفقد تدريجياً معناها العملي مهما ظلت مؤسساتها قائمة شكلياً.

والشاهد علي تدمير جسر اردمتا بواسطة المسيرات حكومة الأمر الواقع السودانية في بورتسودان بمدينة الجنينة مثالاً صارخاً على هذا الواقع. فقد أدى تعطل جسر أردمتا إلى اختناق جانب مهم من الحياة اليومية في المدينة. وعجز طلاب عن الوصول إلى مراكز الامتحانات، وواجهت المساعدات الإنسانية صعوبات كبيرة في الوصول إلى المحتاجين، كما أصبحت حركة التنقل بين الأحياء والمناطق أكثر تعقيداً ومشقة. ولم تعد القضية مجرد أزمة مواصلات أو خلل هندسي، بل تحولت إلى تعطيل مباشر لشروط الحياة الأساسية.

والأخطر من ذلك أن القانون الدولي الإنساني، رغم وضوح نصوصه، يبدو عاجزاً عن فرض نفسه في واقع النزاع. فـاتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها تنص على حماية الأعيان المدنية وتحظر استهداف المرافق التي لا تؤدي وظيفة عسكرية. كما يجرّم نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة التي تلحق أضراراً واسعة بالمدنيين. غير أن هذه النصوص، مهما بلغت قوتها القانونية والأخلاقية، تفقد كثيراً من فعاليتها عندما تغيب آليات التنفيذ والمساءلة.

في مثل هذه الظروف، لا يعود القانون إطاراً رادعاً للسلوك بقدر ما يصبح مرجعاً أخلاقياً معلقاً فوق واقع لا تحكمه المحاسبة. وهنا تتجلى إحدى أخطر سمات الحروب المعاصرة: اتساع الفجوة بين تطور القانون الدولي الإنساني وتراجع الالتزام به على الأرض.

كما يكشف المشهد السوداني حقيقة أكثر قسوة، وهي أن انهيار البنية التحتية لا ينتظر نهاية الحرب، بل يتحول إلى جزء من آليات استمرارها. فكل منشأة تتوقف عن العمل تضيف عبئاً جديداً إلى مجتمع أنهكته الحرب بالفعل. ومع تراكم هذه الأعباء، تتراجع قدرة المجتمع على التعافي، ويزداد اعتماده على حلول مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة.

لذلك، لا يمكن النظر إلى تدمير البنية التحتية باعتباره أثراً جانبياً للصراع، بل باعتباره جوهر الأزمة نفسها. فحين تُدمر المستشفيات والمدارس والطرق والجسور، لا تُهدم المباني فقط، بل يُعاد طرح السؤال الجوهري حول معنى الدولة ووظيفتها: هل هي كيان قادر على حماية الحياة اليومية لمواطنيه، أم مجرد إطار سياسي يقف عاجزاً أمام انهيارها؟

وفي الحالة السودانية، يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: كم يتبقى من الدولة عندما تنهار شبكاتها الأساسية؟ وكم يستطيع المجتمع أن يصمد وتصبح وحدة السودان هي الخيار الوحيد ؟

إن ما يُسمى حرباً في السودان لم يعد يُقاس بخطوط السيطرة العسكرية وحدها، بل بمدى القدرة على منع تحول البنية التحتية إلى مقبرة بطيئة للدولة والمجتمع معاً. فالحروب لا تقتل الناس بالرصاص وحده، بل قد تقتلهم أيضاً عندما تسلبهم الطريق إلى المستشفى، والمقعد في المدرسة، والجسر الذي يصلهم بالحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!