
مها طبيق
تلوح اليوم فرصة نادرة لبناء مشروع وطني جديد ينطلق من الميدان بعيدا من الفنادق وجلسات الشلليات . حكومة التأسيس التي تتشكل الآن تمثّل قطيعة حقيقية مع مركزية السلطة ، وتعبيرًا صريحًا عن تحوّل اجتماعي وسياسي نشأ في رحم المعاناة .
هذه الحكومة هي ثمرة فراغ تاريخي خلّفته الدولة القديمة القبيحة ، وتمثل لحظة نادرة تخرج فيها السلطة من صلب الواقع ، بعيدا عن النخب بتفاهماتهم المغلقة . فشرعية تأسيس التي تستند إليها مستمدة من قوى اجتماعية جديدة تشكّلت في ظل الانهيار ، وتحمل مشروعًا متجاوزًا لمنطق الغنائم والمحاصصة والمحسوبية .
ما يُطرح اليوم هو تأسيسًا جديدًا بالكامل ، فالدولة المركزية التي نشأت بعد الاستقلال احتكرت كل شيء من القرار إلى الموارد وحتى تعريف الوطنية وأقصت الأطراف من كل شئ حتى المشورة . أما اليوم ، فالمشروع يدعو لإعادة توزيع السلطة على أسس جغرافية عادلة ، وتمثيل حقيقي للفئات التي طالما ظلت على هامش القرار الوطني .
صار الهامش مركزًا فعليًا في صناعة القرار . بعد استيعاب المهمشين ، وإعادة صياغة الدولة على أيديهم ، وفق رؤيتهم وتجربتهم التاريخية المريرة . هنا لا تُطلب الشراكة شكلًا ، وإنما تُفرض مضمونًا ، من خلال موازين جديدة نشأت من عمق الأزمة والمعاناة .
صحيح أن هذا المسار يواجه تحديات داخلية وخارجية ، ومخاوف من عسكرة الدولة أو انحراف السلطة ، لكن الرد ليس بالانسحاب أو التشكيك ، بل بالانخراط النقدي الناضج . فالقوى المدنية والنسوية والشبابية مدعوّة الآن للمشاركة الفاعلة في ضبط هذا المسار وتحويله إلى مشروع تأسيسي متكامل وحقيقي .
ما يُطرح هو بداية يمكن تقويمها وتطويرها من الداخل . والخيار ليس بين مثال نظري مثالي ومسار ناقص ، وإنما يكون الخيار بين واقع يتشكل وفراغ قد يعيدنا للمربع الأول . من يعارض اليوم دون أن يقدم بديلاً عمليًا إنما يسهم في تعميق الأزمة لا حلها .
هلموا لإغتنام هذه الفرصة لإنتاج سلطة تعكس واقع الناس وتطلعاتهم ، فلن تكون هناك فرصة أخرى سوى إعادة تدوير الخراب لأن حكومة التأسيس قد لا تكون مثالية ، لكنها قابلة للتحسين ، والأهم إنها تمثل بداية وطن لا يُقصي أحدًا .




