
ايمان بدر الدين
لم يكن قرع جرس امتحانات الشهادة السودانية في مناطق حكومة السلام مجرد حدثٍ تعليمي عابر، ولا مناسبة إدارية تُضاف إلى سجل الأنشطة الحكومية، بل كان إعلاناً مدوياً عن انتصار إرادة الحياة على ظروف الحرب، ورسالة واضحة بأن الشعوب التي تتمسك بحقها في التعليم قادرة على صناعة المستقبل مهما اشتدت التحديات وتعاظمت الأزمات.
لقد كتب كثيرون عن هذا الحدث الاستثنائي، وتناولوا أبعاده الوطنية والإنسانية، ووصفوا مشاهد الفرح التي ارتسمت على وجوه الطلاب وأسرهم وهم يستعيدون حقاً أساسياً ظل رهينة الحرب والاضطراب لسنوات. وكان ذلك الفرح أكبر من مجرد الجلوس إلى مقاعد الامتحان؛ إذ مثّل استعادة للأمل، وتجديداً للثقة في أن السودان لا يزال قادراً على النهوض رغم الجراح.
ومن دارفور إلى كردفان، ومن القرى والنجوع إلى المدن والأسواق، كان قرع الجرس بمثابة إعلان لانتصار قيمة المعرفة على الجهل، وإرادة البناء على مشاريع الخراب. لذلك فإننا نزف التهاني لكل الطلاب والأسر والمعلمين الذين صنعوا هذا الإنجاز، ونؤكد تضامننا الكامل مع تطلعات المواطنين نحو الأمن والاستقرار والتنمية والسلام المستدام.
غير أن جرس الامتحانات ليس الجرس الوحيد الذي ينتظره السودانيون اليوم. فهناك أجراس أخرى يتطلع الناس إلى سماعها قريباً، لأنها تمثل استحقاقات لا تقل أهمية عن التعليم نفسه.
ينتظر المواطنون جرس الإعلان عن عملة وطنية مستقرة وقوية، تضع حداً لفوضى المضاربات التي أنهكت الاقتصاد وأرهقت الأسر وأفقدت الجنيه السوداني جزءاً كبيراً من قيمته. لقد تحولت المضاربات على العملات إلى واحدة من أخطر أدوات الحرب الاقتصادية التي استهدفت معيشة الناس وأمنهم الاجتماعي، وأصبحت معركة الاستقرار النقدي ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.
كما ينتظر السودانيون جرس استعادة الخدمات السيادية الأساسية، وعلى رأسها إصدار الجوازات والأوراق الثبوتية والسجلات المدنية، حتى يتمكن المواطن من ممارسة حقوقه الطبيعية داخل وطنه وخارجه دون مشقة أو حرمان. فالدولة الحديثة تُقاس بقدرتها على خدمة مواطنيها وحفظ حقوقهم وصيانة كرامتهم.
إن ما تحقق في ملف التعليم يمنح الأمل في أن بقية الملفات قادرة هي الأخرى على التقدم إذا توفرت الإرادة والرؤية والإدارة الفاعلة. فالشعوب لا تعيش بالوعود وحدها، وإنما بالإنجازات الملموسة التي تلامس حياتها اليومية وتعيد إليها الثقة بالمستقبل.
ولهذا فإن قرع جرس الشهادة السودانية يجب أن يُنظر إليه باعتباره بداية مرحلة جديدة، لا نهاية محطة. مرحلة تنتقل فيها الجهود من حماية حق التعليم إلى استكمال بقية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمدنية، وصولاً إلى بناء دولة العدالة والمواطنة المتساوية.
لقد سُمعت أجراس التعليم، وما زالت جماهير السودان تنتظر أجراساً أخرى تحمل معها بشائر الاستقرار الاقتصادي، واستعادة الخدمات، وترسيخ السلام، وانتزاع الحقوق كاملة غير منقوصة. وعندما تُقرع تلك الأجراس، سيكون السودان قد خطا خطوة حقيقية نحو المستقبل الذي يستحقه أبناؤه.




