
فاطمة لقاوة
لم تكن معركة الأستاذ محمد حسن التعايشي يوماً مجرد صراع سياسي على إدارة السلطة أو قيادة حكومة إنتقالية، بل هي في جوهرها مواجهة مفتوحة مع أحد أكثر الإرثات خطورة في تاريخ السودان الحديث: إرث الدولة المركزية العميقة التي إحتكرت الوطن، وصادرت حقوق غالبية أهله، وحولت الأقاليم إلى هامشٍ يدفع الثمن ولا يحصد سوى التهميش.
عندما أطلق التعايشي عبارته الشهيرة: “تاني ما راجعين لدولة التهميش دُوت”، لم يكن يخاطب لحظة سياسية جدلية عابرة، بل كان يعلن بداية معركة إسترداد الوطن من قبضة المركزية التي حكمت السودان لعقود طويلة،
وهي معركة تتجاوز الأشخاص والأحزاب، لتلامس جوهر الأزمة السودانية المتمثل في إختطاف الدولة بواسطة نخبة ضيقة إحتكرت السلطة والثروة والتعليم والتنمية.
لقد بنت الدولة المركزية العميقة مشروعها على إقصاء الأطراف وتجريدها من حقوقها الطبيعية، فمن دارفور إلى كردفان، ومن النيل الأزرق إلى شرق السودان، ظلت المجتمعات تقدم الموارد والثروات والرجال، بينما تتكدس مشاريع التنمية والخدمات والمؤسسات في المركز، ولم يكن ذلك خللاً إدارياً أو سوء تقدير، بل سياسة ممنهجة هدفت إلى إبقاء ملايين السودانيين خارج دائرة التأثير والقرار.
كان التعليم أحد أبرز ضحايا هذه السياسات،فعلى الرغم من أن الأقاليم ظلت ترفد خزينة الدولة بعائدات الثروة الحيوانية والزراعية والموارد الطبيعية، فإن أبناءها ظلوا يعانون نقص المدارس والداخليات ومؤسسات التعليم العالي،وعندما جاءت سلطة الإنقاذ في عام 1989، إكتمل مشروع التهميش عبر تجفيف الداخليات وتدمير مؤسسات الخدمة المدنية وتحويل الدولة إلى أداة لتمكين فئة بعينها على حساب بقية السودانيين.
جاءت حرب الخامس عشر من أبريل لتسقط آخر الأقنعة،فقد كشفت الحرب حقيقة الدولة العميقة التي ظلت تتحدث باسم الوطنية بينما تمارس الإقصاء، وترفع شعارات الوحدة بينما تدير البلاد بعقلية الهيمنة،
وشاهد السودانيون والعالم كيف تحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات لحماية إمتيازات المركز التاريخية ولو كان الثمن تمزيق الوطن وإغراقه في الدماء.
في المقابل، برز مشروع سياسي جديد يسعى إلى إعادة تعريف الدولة السودانية على أسس أكثر عدالة وإنصافاً، وفي قلب هذا المشروع يقف الأستاذ محمد حسن التعايشي، بوصفه أحد أكثر السياسيين السودانيين وضوحاً في تشخيص الأزمة وشجاعة في مواجهة جذورها الحقيقية.
التعايشي لا يتحدث عن إصلاحات شكلية أو تسويات مؤقتة، بل يطرح رؤية تقوم على تفكيك بنية التهميش نفسها، وإعادة توزيع السلطة والثروة والفرص بين جميع السودانيين،ولهذا السبب تتعرض أفكاره لحملات الإستهداف والتشويه من القوى المستفيدة من بقاء النظام القديم، لأن أي مشروع للعدالة يعني بالضرورة نهاية الإمتيازات غير المشروعة التي تمتعت بها النخب المركزية لعقود طويلة.
في هذا السياق، جاءت خطوات حكومة السلام لتؤكد أن التغيير ليس مجرد شعارات،فقد نجحت الحكومة في المضي قدماً في إقامة إمتحانات الشهادة السودانية رغم ظروف الحرب والتحديات الأمنية، لتبعث برسالة قوية مفادها أن مستقبل الأجيال لن يكون رهينة للصراع،كما شكل الإهتمام بقطاع التعليم العالي والبحث العلمي مؤشراً واضحاً على أن بناء الدولة الجديدة يبدأ من بناء الإنسان وإطلاق طاقات العقول الوطنية.
القيمة الحقيقية لمحمد حسن التعايشي لا تكمن فقط في موقعه التنفيذي، بل في رمزيته السياسية والفكرية بإعتباره أحد أبناء الهامش الذين حملوا قضية العدالة إلى قلب مشروع الدولة،فهو يمثل جيلاً كاملاً آمن بأن السودان لا يمكن أن يستقر ما لم يشعر جميع أبنائه بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والفرص والواجبات.
اليوم، بينما تحاول الدولة المركزية العميقة إستعادة أنفاسها وإعادة إنتاج نفسها بأدوات جديدة، تتقدم حكومة السلام بخطى ثابتة نحو بناء نموذج مختلف للدولة السودانية؛ دولة لا تقوم على الإمتيازات التاريخية، بل على المواطنة المتساوية والعدالة والتنمية المتوازنة.
إنها معركة إسترداد الوطن بكل ما تحمله الكلمة من معنى،معركة بين مشروع يريد إعادة السودانيين إلى مربع التهميش القديم، ومشروع آخر يقوده رجال آمنوا بأن السودان أكبر من المركز، وأوسع من النخب التقليدية، وأغنى بتنوعه من أن يُختزل في جغرافيا أو جماعة بعينها.
لهذا، فإن شعار التعايشي “ما راجعين دُوت” لم يعد مجرد هتاف سياسي، بل أصبح تعبيراً عن إرادة شعبية تتطلع إلى طي صفحة الماضي وفتح أبواب السودان الجديد؛ السودان الذي يتسع للجميع، ويمنح كل إقليم حقه، وكل مواطن كرامته، وكل جيل فرصته في صناعة المستقبل.
ولنا عودة بإذن الله



