رأي

حين يرحل الأمل… ويُصبح الغياب وجع وطن

عابدة مختار

 

عابدة مختار

عندما يكون الحديث عن أسامة حسن حسين، فإننا لا نتحدث عن فردٍ عابرٍ في سجل الأيام، بل عن معنىً كاملٍ للوطن حين يتجسّد في إنسان. كان أسامة أشبه بأمةٍ قائمة بذاتها، لا تُحدّها انتماءات ضيقة، ولا تحكمها حسابات آنية، بل تحركها قضية كبرى ظل يحملها في قلبه ويمضي بها في دروبٍ شاقة دون تردد أو انكسار.

لم يكن حضوره عاديًا في حياة الناس، بل كان امتدادًا لهمومهم اليومية وتطلعاتهم المؤجلة. عرفناه رجلًا غيورًا على قضيته، مدافعًا شرسًا عن الهامش، منحازًا للفقراء والمهمّشين، لا يساوم في المبادئ، ولا يهادن في الحق. واليوم، لا تبكيه مدينة واحدة، بل تبكيه قرىً وفرقان وبوادي ومدن، تبكيه الأرض التي أحبها، والوجوه التي أنصتت لصوته وهو يحمل بشائر الأمل في زمنٍ شحيح الرجاء.

رحل أسامة، لكن رحيله لم يكن فراغًا عابرًا، بل كسرٌ في الظهر، ووجعٌ يتردد صداه في الضمير الجمعي. فقد كان شابًا ذا طموحٍ لا تحدّه حدود، ترك خلفه إرثًا ثقيلًا من العمل والعطاء، وسيرةً يصعب اختزالها في كلمات. كان ممن أولتهم القيادة ثقتها، ولم يكن ذلك عبثًا، بل إدراكًا لوعيٍ متقد، وإيمانٍ عميق بقضايا الناس، وقدرةٍ نادرة على تحويل الأفكار إلى أفعال.

كان ينفق من ماله، ويقف بنفسه في قلب الأزمات، لا يخشى المخاطر ولا يلتفت للخوف، مؤمنًا بأن القيادة مسؤولية قبل أن تكون موقعًا. وعلى يديه كُتبت وثائق صلحٍ عديدة، كان مهندسها بجدارة، يجمع المختلفين، ويصوغ من التباينات جسورًا للتفاهم، مستندًا إلى منطقٍ رصين وحديثٍ قادر على الإقناع والاستقطاب.

برز أسامة من خلال تنظيمات الشباب التي قادها، وترك فيها بصمةً لا تُمحى، مؤكدًا أن زمن الشباب ليس مستقبلًا مؤجلًا، بل حاضرًا ينبغي أن يتقدم الصفوف. كان قوي الكلمة، حاد الحجة، لا يجاري المرجفين، بل يواجههم بالعقل والمنطق، فيسكت الضجيج بالحقيقة.

سيظل اسمه علامة فارقة في مسيرة النضال، قاصمًا لجبن المترددين، ودافعًا لمسيرة لن تتوقف. فالأحلام التي حملها لم تمت برحيله، بل أصبحت أمانةً في أعناق من عرفوه، وعهدًا لا ينكسر حتى تتحقق تطلعات المهمشين، ويولد السودان الذي آمن به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!