
إسماعيل رحمه المحامي يكتب
تُجمع تجارب الشعوب والدول على أن نجاح القادة لا يُقاس فقط بقدراتهم الشخصية أو بحجم التأييد الذي يحظون به، وإنما بنوعية الرجال والنساء الذين يحيطون بهم ويشاركونهم صناعة القرار. فالتاريخ السياسي مليء بالنماذج التي ازدهرت فيها الدول عندما أحاط القادة أنفسهم بأصحاب الكفاءة والنزاهة والشجاعة في قول الحق، كما امتلأ أيضاً بقصص الانهيار التي بدأت حين تمكن الانتهازيون وأصحاب المصالح الضيقة من التغلغل إلى دوائر القرار.
وحول أي قيادة سياسية أو عسكرية تظهر عادة ثلاثة أنماط من الفاعلين السياسيين؛ أولهم أصحاب الرؤية والفكر والخبرة الذين يقدمون الدراسات والتصورات الاستراتيجية ويستشرفون المستقبل بعقول مفتوحة. وثانيهم الإداريون والتنفيذيون الذين يحولون الأفكار إلى واقع عملي ويؤدون واجباتهم بمهنية وانضباط وتجرد. أما الصنف الثالث فهو الأخطر، ويتمثل في الانتهازيين الذين ينظرون إلى السياسة باعتبارها وسيلة للنفوذ والثروة والمكاسب الشخصية، لا أداة لخدمة الوطن والمواطن.
هذه الفئة الأخيرة هي التي صنعت عبر التاريخ ما عُرف بـ”بطانة السوء”، وهي مجموعة تتغذى على القرب من السلطة أكثر مما تتغذى على الكفاءة والإنجاز. تعمل على احتكار الوصول إلى القائد، وتقديم صورة زائفة عن الواقع، وإقصاء الأصوات الناصحة، وتشويه كل من يحاول كشف القصور أو الفساد أو سوء الإدارة.
إن أخطر ما تفعله بطانة المصالح ليس الدفاع عن أخطائها فحسب، بل صناعة جدار عازل بين القيادة والناس. فهي تحجب الحقائق، وتجمّل الإخفاقات، وتضخم الإنجازات الوهمية، وتصور النقد الموضوعي على أنه مؤامرة أو استهداف. وبذلك تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة أشخاص بدلاً من خدمة المشروع الوطني.
وعندما تسيطر هذه العقلية على مراكز النفوذ، تصبح القرارات رهينة للمصالح الخاصة، وتُهدر الطاقات الوطنية، ويُستبعد أصحاب الكفاءة، وتُفتح الأبواب أمام المحسوبية والشللية والولاءات الضيقة. وعندها لا تتضرر القيادة وحدها، بل يتضرر المشروع بأكمله، وتتراجع ثقة الجماهير التي قدمت التضحيات أملاً في التغيير والإصلاح.
إن مشروع التأسيس الذي حمل آمال السودانيين في بناء دولة جديدة لا يمكن أن ينجح ما لم تُخض معركة الإصلاح داخل مؤسساته ومراكز اتخاذ القرار بنفس الجدية التي تُخاض بها المعارك السياسية والعسكرية. فالمراجعة المستمرة، والمحاسبة الصارمة، وتجديد الدماء، وإبعاد مراكز النفوذ غير المنتجة، ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة لحماية المشروع الوطني من التآكل من الداخل.
لقد أثبتت تجارب التاريخ أن القائد الذي يحيط نفسه بأصحاب الرأي الحر والكفاءة والنزاهة يعزز فرص نجاحه ونجاح مشروعه، بينما يقود الاعتماد على المنتفعين والمصفقين إلى عزلة القيادة وفقدان البوصلة وانهيار الثقة العامة.
إن اللحظة الراهنة تتطلب شجاعة في التقييم، وجرأة في اتخاذ القرار، وانحيازاً كاملاً للمصلحة العامة فوق الأشخاص والمجموعات. فالمشروعات الكبرى لا تسقط بسبب خصومها فقط، وإنما قد تنهار أيضاً عندما تتسلل إليها مراكز النفوذ التي تجعل مصالحها الخاصة أعلى من مصالح الوطن.
وحين تكون الغاية هي بناء سودان جديد قائم على العدالة والمواطنة والمؤسسات، فإن حماية مشروع التغيير تبدأ أولاً بحماية القيادة من بطانة المصالح، وتمكين أهل الكفاءة والصدق والمسؤولية من أداء دورهم في صناعة المستقبل.




