رأي

التدخلات المصرية في السودان. هل تدرك القاهرة كلفة العبث بمستقبل العلاقة بين الشعبين؟

عماد جدو

 

عماد جدو

ظلت العلاقات السودانية المصرية لعقود طويلة تُقدَّم بوصفها نموذجاً لعلاقة شعبين تجمعهما روابط الجغرافيا والتاريخ والثقافة والمصالح المشتركة. غير أن هذه العلاقة تعرضت خلال مراحل مختلفة لاختبارات صعبة نتيجة سياسات وتوجهات رسمية أفرزت أحياناً شعوراً متنامياً لدى قطاعات واسعة من السودانيين بأن القاهرة تنظر إلى السودان من زاوية المصالح الأمنية والاستراتيجية الضيقة أكثر من نظرها إليه كشريك متكافئ في المصير والمستقبل.

ومنذ اندلاع الحرب السودانية برزت اتهامات متزايدة بشأن أدوار وتدخلات مصرية في الشأن الداخلي السوداني، سواء عبر مواقف سياسية أو تحركات ميدانية رآها كثير من السودانيين انحيازاً لطرف دون آخر. ومهما كانت مبررات هذه السياسات، فإن أخطر ما فيها أنها لا تُقاس فقط بنتائجها الآنية، وإنما بآثارها العميقة على الوعي الجمعي للأجيال القادمة في البلدين.

التاريخ القريب يقدم دروساً مهمة في هذا السياق. فقد دفعت مصر ثمناً سياسياً ومعنوياً باهظاً جراء تدخلها العسكري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، وهي تجربة ما زالت حاضرة في الذاكرة اليمنية حتى اليوم. ورغم اختلاف الظروف بين الحالتين، فإن القاسم المشترك يتمثل في أن التدخل في شؤون الدول الأخرى يترك آثاراً طويلة الأمد تتجاوز الحسابات السياسية المؤقتة، وتمتد إلى طبيعة العلاقة بين الشعوب نفسها.

وتزداد خطورة الأمر عندما يتحول الخلاف السياسي إلى حالة من الاحتقان الشعبي. فالسودانيون الذين ظلوا ينظرون إلى مصر باعتبارها دولة شقيقة بدأ بعضهم يتعامل مع السياسات المصرية الأخيرة بكثير من الريبة والاستياء، وهو أمر قد ينعكس مستقبلاً على مستوى العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بين الشعبين إذا لم تتم معالجته بحكمة ومسؤولية.

ولم تعد هذه المخاوف مجرد قراءات سياسية أو تقديرات نظرية، بل وجدت ما يعززها في التطورات الأخيرة المتعلقة بمنطقة التعدين بجبل العقيدات شمال الوادي. فقد أكدت الخرائط الجغرافية والإحداثيات المتداولة أن المنطقة المستهدفة تقع داخل الأراضي السودانية، على مسافة تقارب عشرين كيلومتراً جنوب خط عرض 22 شمالاً الذي يمثل الحدود الدولية بين السودان ومصر. كما تشير البيانات الميدانية إلى ارتباط المنجم إدارياً ولوجستياً بسوق الأنصاري للتعدين الأهلي بولاية نهر النيل عبر طريق صحراوي معروف يستخدمه المعدنون والعاملون في المنطقة.

وقد أثارت هذه التطورات موجة واسعة من الغضب والاستنكار وسط قطاعات من السودانيين الذين اعتبروا ما جرى انتهاكاً للسيادة الوطنية ومؤشراً مقلقاً على إمكانية انتقال الخلافات السياسية إلى مستويات أكثر حساسية. كما رأى عدد من المراقبين أن مثل هذه الحوادث تستوجب تحقيقاً شفافاً وتوضيحاً كاملاً للوقائع، بما يسهم في منع تكرارها ويعزز الاستقرار والأمن في المنطقة.

وتكمن خطورة هذه الأحداث ليس فقط في أبعادها العسكرية أو الأمنية، وإنما في تأثيرها النفسي والسياسي على وجدان الأجيال السودانية الجديدة، التي قد تنظر إليها باعتبارها دليلاً على عدم احترام سيادة السودان واستقلال قراره الوطني. ومن هنا تصبح معالجة هذه الملفات بروح المسؤولية والشفافية واحترام القانون الدولي ضرورة لا غنى عنها للحفاظ على ما تبقى من رصيد الثقة التاريخي بين الشعبين.

إن مستقبل العلاقات السودانية المصرية لا ينبغي أن يُبنى على حسابات آنية أو رهانات سياسية مؤقتة، بل على أسس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والاعتراف الكامل بسيادة كل دولة على أراضيها وقرارها الوطني. فالعلاقات بين الشعوب أطول عمراً من الحكومات والأنظمة، وأي سياسات تزرع مشاعر العداء أو عدم الثقة اليوم قد تدفع الأجيال القادمة ثمنها لعقود طويلة.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تطرحه النخب السياسية في القاهرة قبل غيرها: هل تستحق المكاسب الظرفية المحتملة أن تخسر مصر جزءاً من رصيدها التاريخي لدى الشعب السوداني؟ أم أن الحكمة تقتضي مراجعة السياسات الحالية حفاظاً على علاقة استراتيجية لا غنى عنها لشعبي وادي النيل ومستقبلهما المشترك؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!