
محمد البخيت
في مشهدٍ سيبقى طويلاً في ذاكرة السودان، أسدل طلاب الشهادة الثانوية في مناطق سيطرة تأسيس الستار على امتحاناتهم وسط مشاعر جياشة اختلطت فيها دموع الفرح بمرارة المعاناة، لترسم وجوههم حكاية جيلٍ كاملٍ قاوم الحرب ورفض الاستسلام لليأس، وتمسك بحقه في التعليم رغم كل الظروف التي أحاطت به.
لم تكن تلك الدموع مجرد انفعال عابر لنهاية امتحانات طال انتظارها، بل كانت تعبيرًا إنسانيًا عميقًا عن سنواتٍ من الحرمان والقلق والترقب. ثلاث سنوات كاملة عاشها آلاف الطلاب والطالبات وهم يشاهدون أحلامهم معلقة بين أزيز الرصاص وضباب الحرب، فيما كانت فرص التعليم تتراجع أمام تعقيدات الواقع القاسي الذي فرضته الأزمة السودانية.
لقد واجه هؤلاء الطلاب تحديات استثنائية لم تعرفها أجيال كثيرة من قبل. فالحرب لم تستهدف البنية التحتية وحدها، بل ألقت بظلالها الثقيلة على مستقبل الشباب وأحلامهم وطموحاتهم. ومع ذلك، ظل الإصرار على مواصلة الطريق أقوى من الخوف، وظل الأمل في الغد أكثر حضورًا من مشاهد الدمار واليأس.
وجاء تنظيم امتحانات الشهادة الثانوية في مناطق تأسيس ليشكل نقطة تحول فارقة في حياة آلاف الأسر السودانية. فقد مثلت هذه الخطوة رسالة واضحة بأن التعليم لا ينبغي أن يكون ضحية للصراعات السياسية أو العسكرية، وأن حق الأجيال في المعرفة وبناء المستقبل يظل حقًا أصيلًا لا يجوز تعطيله تحت أي ظرف.
ولعل ما منح هذه التجربة قيمتها الاستثنائية هو أنها جاءت في وقت راهن فيه كثيرون على استحالة إنجازها. غير أن الإرادة والعزيمة والتخطيط الجاد استطاعت أن تحول ما كان يبدو مستحيلاً إلى واقع ملموس، وأن تمنح الطلاب فرصة استعادة الثقة في مستقبلهم بعد سنوات من القلق وعدم اليقين.
إن الفرحة التي عمت المدن والبلدات والقرى عقب انتهاء الامتحانات لم تكن فرحة الطلاب وحدهم، بل كانت فرحة أسر كاملة عاشت تفاصيل المعاناة معهم يومًا بيوم. كانت فرحة الأمهات اللائي حملن هموم أبنائهن، والآباء الذين تمسكوا بالأمل رغم ضيق الأحوال، والمعلمين الذين واصلوا أداء رسالتهم النبيلة في ظروف بالغة التعقيد.
وفي جوهر هذا المشهد الإنساني تكمن حقيقة مهمة، وهي أن الشعوب لا تنهض بالسلاح وحده، وإنما بالعلم والمعرفة وبناء الإنسان. فالحروب مهما طالت إلى زوال، أما التعليم فهو الاستثمار الحقيقي الذي تبنى به الأمم وتنهض به المجتمعات وتصنع عبره مستقبلها.
لقد أثبت طلاب تأسيس أنهم جيل استثنائي، جيل لم يسمح للحرب أن تسرق أحلامه أو أن تصادر حقه في التعلم. واجهوا الظروف القاسية بالصبر، وتسلحوا بالإرادة، وانتصروا على الإحباط بإيمانهم بأن المستقبل يستحق كل هذا العناء.
وإذا كانت ميادين الصراع تنتج لحظات الانتصار العسكري، فإن ميادين التعليم تنتج انتصارات أكثر دوامًا وأعمق أثرًا. فنجاح امتحانات الشهادة الثانوية لا يمثل مجرد استحقاق أكاديمي، بل يعبر عن انتصار الإرادة الوطنية على ظروف الحرب، وانتصار الأمل على اليأس، وانتصار المستقبل على محاولات إغراق الأجيال في دائرة الحرمان.
ستظل هذه الأيام محفورة في الذاكرة الوطنية بوصفها لحظة انتصر فيها الطلاب للعلم، وانتصرت فيها الإرادة للحياة. وستبقى تلك الدموع التي سالت في ساحات المدارس وقاعات الامتحانات شاهدة على أن الشعوب العظيمة قادرة على صناعة الأمل حتى في أحلك الظروف، وأن المستقبل يبدأ دائمًا من مقاعد الدراسة ومن إيمان الشباب بحقهم في الحلم والمعرفة والكرامة.
وهكذا




