
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
عندما ظهرت اتفاقية عنتيبي، لم تُقدَّم باعتبارها مجرد وثيقة لإعادة توزيع المياه، بل كمحاولة لإعادة تعريف طريقة إدارة النيل نفسه: من نظام ثنائي تاريخي إلى إطار أوسع يضم دول الحوض.
وهنا ظهر السودان أمام سؤال أكثر تعقيداً من سؤال القبول أو الرفض.
فالسؤال الحقيقي لم يكن:
هل اتفاقية عنتيبي مثالية؟
بل: هل كان موقف السودان منها نابعاً من قراءة مستقلة لمصلحته الوطنية، أم من استمرار التموضع داخل معادلات تشكلت في زمن مختلف؟
ولفهم هذا السؤال، لا بد من العودة خطوة إلى الوراء.
إذا كانت اتفاقية 1959 نفسها اتفاقاً ثنائياً نتج عن ظرف سياسي وتاريخي محدد، وصيغت في مرحلة مختلفة من شكل الدولة والإقليم وتوازنات القوة، فهل كان من المنطقي أن يظل السودان بعد أكثر من نصف قرن يقيس خياراته المائية داخل الإطار ذاته دون مراجعة مستقلة؟
هذا السؤال لا يطعن في شرعية ما تم الاتفاق عليه آنذاك، لكنه يطرح مسألة أكثر أهمية:
هل تستمر الاتفاقيات كأدوات لخدمة المصالح، أم تتحول مع الزمن إلى حدود ذهنية تمنع إعادة تقييم تلك المصالح؟
لسنوات طويلة، جرى التعامل مع ملف النيل من منطلق أن أمن السودان المائي يمر تلقائياً عبر توافقات إقليمية محددة. لكن هذا المنطق يحمل افتراضاً غير معلن: أن مصالح الدول المتجاورة متطابقة بالضرورة.
والواقع أن العلاقات الدولية لا تعمل بهذه الطريقة.
في ملفات المياه تحديداً، لا توجد دولة تفاوض بالوكالة عن دولة أخرى، ولا توجد مصلحة مشتركة تلغي حق كل طرف في تعريف أولوياته بنفسه.
وفي هذا السياق، لا ينفصل النقاش حول اتفاقية عنتيبي عن طبيعة الجهة التي تتخذ القرار في لحظته السياسية. فالقضايا ذات الطابع السيادي والاستراتيجي—وخاصة ما يتعلق بالموارد المائية—لا تُقاس فقط بمضمون القرار، بل أيضاً بسياق صدوره ودرجة تمثيله للإرادة الوطنية. إذ إن جوهر الإشكال لا يتعلق بكون الدولة سيادية في النصوص، بل بمدى تحقق شرط التمثيل السياسي الكامل الذي يمنح القرار وزنه الشرعي داخل الداخل قبل الخارج.
وفي هذا الإطار، يبرز سؤال الشرعية السياسية للقرار ذاته، لا مجرد مضمونه. فالقضايا السيادية المرتبطة بالموارد الاستراتيجية لا تكتسب مشروعيتها من كونها صادرة باسم الدولة فحسب، بل من كونها نتاجاً لتمثيل سياسي مكتمل يعكس الإرادة العامة، لا ظرفاً انتقالياً أو حالة استثنائية. لأن قوة القرار في مثل هذه الملفات لا تنفصل عن طبيعة اللحظة التي يُتخذ فيها، ولا عن مدى اكتمال مؤسسات صنعه.
لكن في المقابل، لا يعني ذلك أن الاعتراضات السودانية على اتفاقية عنتيبي كانت بلا أساس؛ فالأمن المائي لا يُدار بالشعارات ولا بالمغامرات السياسية، بل يقوم على اعتبارات قانونية وفنية تتعلق بآليات إدارة المورد وضمان استقراره. غير أن الإشكال لا يكمن في وجود الاعتراض، بل في طبيعة توظيفه؛ إذ يظل الفارق جوهرياً بين رفض يُستخدم كورقة تفاوض لتحسين الشروط، ورفض يتحول مع الزمن إلى بديل عن التفاوض نفسه.
السودان ليس دولة منبع خالصة ولا دولة مصب خالصة؛ موقعه أكثر تعقيداً وأكثر ثراءً من هذا التصنيف. فهو دولة زراعية، ودولة عبور، ودولة يمكن أن تستفيد من الاستقرار المائي كما يمكن أن تستفيد من إعادة هندسة التعاون الإقليمي إذا أُديرت بشروط عادلة. لكنه، وقطعاً، ليس أنبوباً لنقل المياه ولا وصفاً جغرافياً داخل معادلة الآخرين؛ بل دولة ذات سيادة، لا تُقاس قيمتها بما يمر عبر أراضيها، وإنما بحقها الكامل في أن تكون شريكاً في القرار لا مجرد مساحة يمر عبرها القرار.
إن مصلحة السودان لا تُقاس بمدى قربه من هذا المحور أو ذاك، ولا بمدى تمسكه بنصوص كُتبت في ظروف تاريخية مختلفة، وإنما بقدرته على أن يدخل أي إطار إقليمي—قديماً كان أو جديداً—بصفته دولة كاملة السيادة، لا تابعاً لمعادلة، ولا امتداداً لموقف غيره.
فاتفاقية عنتيبي، في جوهرها، ليست امتحان ولاء ولا إعلان قطيعة؛ بل اختبار لقدرة السودان على الانتقال من موقع الدفاع عن ترتيبات الأمس… إلى موقع المشاركة في صياغة ترتيبات تحمي مصالحه غداً.
لأن الدول لا تُقاس بمقدار ما ورثته من اتفاقات، بل بمقدار قدرتها على مراجعتها حين تتغير موازين الواقع.
ولأن الأنهار لا تتوقف عند الحدود، فإن السيادة أيضاً لا تُمارس بالانعزال، بل بالقدرة على الحضور والتأثير وصناعة الشروط. وفي قضايا بهذا الحجم، قد لا يكون السؤال: كيف نحمي ما ورثناه؟ بل: كيف نضمن ألا يُعاد تشكيل المستقبل في غيابنا؟




