
محمد ابراهيم الاحمر المحامي
لم تكن المأساة التي تعرض لها المعدنون السودانيون مجرد حادثة عابرة يمكن تجاوزها بالتصريحات المقتضبة أو التبريرات المرتبكة، بل شكلت اختباراً حقيقياً لمعنى السيادة الوطنية وحدود المسؤولية السياسية والأخلاقية تجاه المواطنين. فبعد مرور أيام على الهجوم الذي استهدف المعدنين السودانيين داخل الأراضي السودانية، ما تزال الأسئلة الجوهرية معلقة بلا إجابات واضحة، فيما تزداد مشاعر الغضب والاستياء وسط الرأي العام إزاء الصمت الرسمي الذي أحاط بالقضية.
لقد كان السودانيون ينتظرون موقفاً حاسماً يرقى إلى حجم الكارثة، موقفاً يدافع عن حق الضحايا في العدالة ويحمي كرامة الدولة وهيبتها، غير أن التصريحات التي صدرت من قيادة سلطة بورتسودان اتجهت نحو تبرير الواقعة بدلاً من إدانتها، الأمر الذي أثار موجة واسعة من التساؤلات حول أولويات السلطة ومعاييرها في التعامل مع دماء المواطنين.
إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بكيفية وقوع الهجوم، وإنما بما ترتب عليه من سقوط ضحايا سودانيين يفترض أن تكون حمايتهم مسؤولية الدولة الأولى. وحتى إذا افترضنا صحة الادعاءات التي تحدثت عن تجاوز بعض المعدنين للحدود، فإن ذلك لا يمنح أي جهة الحق في استخدام القوة المميتة ضد مدنيين عزل. فالقوانين الدولية والأعراف الإنسانية لا تبيح قتل البشر خارج إطار القانون، ولا تسمح بتحويل الخلافات الحدودية إلى مبرر لإزهاق الأرواح.
وتزداد خطورة المشهد عندما يقابل هذا الحدث بصمت رسمي أو بخطاب يسعى إلى تخفيف وقع الجريمة بدلاً من المطالبة بكشف ملابساتها كاملة. فالدول تقاس بمقدار حرصها على حماية مواطنيها والدفاع عن حقوقهم، لا بقدرتها على تقديم المبررات لمن ينتهك تلك الحقوق. وعندما يشعر المواطن أن حياته يمكن أن تضيع دون أن يجد من يطالب له بالإنصاف، فإن ذلك يضعف الثقة في مؤسسات الدولة ويقوض مفهوم المواطنة ذاته.
إن حماية السيادة ليست شعاراً سياسياً يرفع في المناسبات، وإنما ممارسة عملية تتجسد عندما تتعرض الحدود للانتهاك أو يتعرض المواطنون للخطر. والسيادة التي تعجز عن حماية أبنائها أو المطالبة بحقوقهم تفقد جزءاً كبيراً من معناها وقيمتها.
ومن هذا المنطلق، فإن الواجب الوطني يقتضي كشف الحقيقة كاملة للرأي العام، وتحديد موقع الحادثة بدقة، وإجراء تحقيق مستقل وشفاف حول ملابساتها، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو مسؤوليته عنها. فدماء الضحايا ليست أرقاماً في التقارير، بل حقوق إنسانية ووطنية لا يجوز التهاون فيها.
إن أسر الضحايا تستحق الحقيقة، والشعب السوداني يستحق الشفافية، والسودان يستحق موقفاً يليق بسيادته وكرامة مواطنيه. أما الصمت والتبرير فلن يغيرا من حقيقة واحدة، وهي أن العدالة تظل المطلب الأول والأخير لكل أمة تحترم نفسها وتحترم أبناءها.




