معركة الأبيض تهز التحالف العسكري.. هل اقترب الصدام بين الجيش والقوات المشتركة؟
التنوير تقرير سكاي نيوز عربية

التنوير تقرير سكاي نيوز عربية
جبهة كردفان تعيد رسم التحالفات

في وقت تتجه فيه الأنظار إلى جبهة كردفان باعتبارها المسرح الأكثر حساسية في الحرب السودانية، بدأت تتكشف مؤشرات متزايدة على تصاعد التباينات داخل التحالف العسكري الذي يقاتل إلى جانب الجيش السوداني، وسط مخاوف من أن تتحول الخلافات الميدانية والسياسية بين الجيش والقوات المشتركة إلى أزمة مفتوحة قد تعيد رسم خريطة الحرب بأكملها.
فمع اتساع رقعة العمليات العسكرية، لم تعد معركة الأبيض مجرد مواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع، وإنما أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة التحالف العسكري الذي تشكل بعد اندلاع الحرب على الحفاظ على تماسكه، في ظل تضارب الحسابات العسكرية وتزايد التنافس السياسي بين مكوناته.
وتأتي هذه التطورات في وقت تصنف فيه الأمم المتحدة الحرب السودانية بأنها أكبر أزمة إنسانية يشهدها العالم حالياً، بينما تتداخل الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية بصورة تجعل مستقبل التحالفات لا يقل أهمية عن نتائج المعارك نفسها.
القوات المشتركة… من حليف ميداني إلى شريك مؤثر
منذ دخولها الحرب إلى جانب الجيش، لم تعد القوات المشتركة مجرد قوة إسناد، بل تحولت تدريجياً إلى أحد أهم مراكز الثقل العسكري داخل التحالف، بعد أن لعبت أدواراً رئيسية في عدد من الجبهات، الأمر الذي منحها ثقلاً سياسياً يتجاوز حدود العمليات القتالية.
وتضم القوات المشتركة عدداً من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، وفي مقدمتها حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، إلى جانب فصائل أخرى تنحدر غالبية مقاتليها من إقليم دارفور.
وكانت بعض هذه الحركات قد شاركت في الصراع الليبي خلال السنوات الماضية، وأشارت تقارير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة بشأن ليبيا إلى مشاركة مجموعات سودانية مسلحة ضمن المقاتلين الأجانب هناك، قبل عودتها إلى السودان وانخراطها في العملية السياسية ثم لاحقاً في الحرب الحالية.
ومع مرور الوقت أصبحت هذه القوات تمتلك حضوراً سياسياً وعسكرياً يجعلها شريكاً يصعب تجاوزه في أي ترتيبات تتعلق بالحرب أو بما بعدها.
بداية التصدع… الأبيض تشعل الخلاف
بحسب مصادر متطابقة، بدأ الخلاف يتخذ طابعاً أكثر وضوحاً عقب طرح قيادة الجيش ترتيبات عسكرية جديدة تقضي بإعادة انتشار القوات المشتركة من محيط الخرطوم باتجاه مدينة الأبيض، بهدف تخفيف الضغط العسكري المتزايد على المدينة.
غير أن قيادات داخل القوات المشتركة أبدت تحفظات واضحة على المقترح، معتبرة أن الانتقال إلى جبهة كردفان في الظروف الراهنة يحمل مخاطر كبيرة، خاصة في ظل ما تتمتع به قوات الدعم السريع من خبرة ميدانية في طبيعة الأرض، وقدرتها على إدارة المعارك في المناطق المفتوحة.
وترى تلك القيادات أن أي انتشار واسع في كردفان قد يتحول إلى معركة استنزاف طويلة، تستنزف القوة البشرية والإمكانات العسكرية للقوات المشتركة، بما يضعف موقعها في أي ترتيبات مستقبلية.
تضارب الأولويات العسكرية
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بإعادة الانتشار، وإنما يعكس اختلافاً أعمق في الرؤية العسكرية بين الطرفين.
فالجيش ينظر إلى معركة الأبيض باعتبارها معركة استراتيجية يمكن أن تغير ميزان الحرب إذا نجح في تأمين المدينة واستعادة زمام المبادرة غرب البلاد.
في المقابل، ترى القوات المشتركة أن الأولوية يجب أن تبقى للمواقع التي تنتشر فيها حالياً، حيث تمتلك خطوط إمداد أكثر استقراراً وبيئة عمليات أقل تعقيداً، وهو ما يجعلها أكثر قدرة على المحافظة على توازنها العسكري.
كما تخشى قيادات داخل المشتركة من أن يؤدي الانخراط الكامل في جبهة كردفان إلى إنهاك قواتها، بينما يتراجع اهتمام الجيش بجبهات دارفور مقارنة بما كان عليه في المراحل الأولى من الحرب.
توترات ميدانية تكشف هشاشة التحالف
ولا تقف مؤشرات التباين عند حدود الخطط العسكرية، إذ شهدت الأسابيع الأخيرة عدداً من الحوادث الأمنية التي عكست هشاشة العلاقة بين بعض المكونات المتحالفة.
ففي كوستي قُتل مساعد شرطة وأصيب رقيب إثر هجوم استهدف إطلاق سراح عنصر يتبع للقوات المشتركة، كما شهدت بورتسودان احتكاكات بين قوة من إحدى الحركات المسلحة وقوة أمنية، إضافة إلى حوادث مشابهة في الولاية الشمالية ومنطقة الروات بولاية النيل الأبيض.
ورغم احتواء تلك الأحداث عبر تدخل القيادات العسكرية، فإن مراقبين يرون أنها تعكس صعوبات متزايدة في إدارة تحالف يضم تشكيلات ذات خلفيات عسكرية وسياسية متباينة.
كردفان… عقدة الحرب الجديدة
تمثل كردفان اليوم إحدى أكثر الساحات حساسية في الحرب، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، وإنما أيضاً لأنها تمثل حلقة الوصل بين وسط السودان وغربه، إضافة إلى دورها الحيوي في الإمداد العسكري وحركة القوات.
وتستند مخاوف القوات المشتركة إلى تقديرات تفيد بأن قوات الدعم السريع ما تزال تحتفظ بقدرات قتالية معتبرة في الإقليم، بما يجعل أي عملية واسعة هناك محفوفة بالمخاطر، وقد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة يصعب حسمها سريعاً.
في المقابل، ترى قيادة الجيش أن استعادة زمام المبادرة في الأبيض تمثل ضرورة استراتيجية، وأن نجاحها قد ينعكس على مختلف جبهات القتال ويغير معادلات الحرب خلال المرحلة المقبلة.
تحالف الضرورة… بين الواقع والطموحات
يرى عدد من المحللين أن التحالف القائم بين الجيش والقوات المشتركة لم يتأسس على رؤية سياسية موحدة، بقدر ما فرضته ضرورات الحرب ومواجهة الخصم المشترك.
ومع اتساع الحرب وتعقد المشهد، بدأت التباينات المتعلقة بالأولويات العسكرية، والتمثيل السياسي، وتقاسم النفوذ داخل مؤسسات السلطة في بورتسودان، تطفو بصورة أكبر على السطح.
وتتزامن هذه الخلافات مع تصاعد أصوات داخل معسكر الجيش تطالب بإعادة النظر في اتفاق جوبا للسلام، وهو الاتفاق الذي يمثل الإطار القانوني والسياسي لمشاركة عدد من الحركات المسلحة في السلطة والتحالف العسكري.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذه التباينات دون معالجة قد يؤدي إلى إضعاف التحالف بصورة تدريجية، خصوصاً إذا ترافقت مع انتكاسات ميدانية أو تغيرات كبيرة في خريطة السيطرة العسكرية.
ما بعد الحرب… الصراع المؤجل
ويجمع عدد من الخبراء العسكريين على أن الخلافات الحالية تجاوزت إطار توزيع القوات وإدارة الجبهات، لتصل إلى صراع غير معلن حول شكل السلطة والنفوذ السياسي والعسكري في مرحلة ما بعد الحرب.
فكل طرف يسعى إلى المحافظة على موقعه في معادلة القوة المقبلة، ويعمل على تجنب استنزاف قدراته في معارك قد لا تحقق له مكاسب استراتيجية تتناسب مع حجم الخسائر المحتملة.
ويرى هؤلاء أن مستقبل العلاقة بين الجيش والقوات المشتركة سيظل مرتبطاً إلى حد كبير بنتائج معركة الأبيض، فإذا نجحت قوات الدعم السريع في تحقيق اختراقات واسعة، فقد تتعرض العلاقة بين الطرفين لضغوط غير مسبوقة، بما قد يقود إلى إعادة تشكيل التحالفات العسكرية والسياسية في السودان.
وفي ظل استمرار الحرب لعامها الرابع، تبدو المحافظة على تماسك التحالف العسكري مهمة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، خاصة أنه يضم قوى متعددة تختلف في خلفياتها وأهدافها وحساباتها. ولهذا يرى مراقبون أن المعركة الحقيقية ربما لم تعد تدور فقط على خطوط النار، بل داخل التحالف نفسه، حيث تتنافس المكونات المختلفة على النفوذ والموقع في السودان الذي سيتشكل بعد توقف الحرب، وهو ما يجعل مستقبل هذا التحالف واحداً من أكثر الملفات حساسية وتأثيراً في مسار الأزمة السودانية خلال المرحلة المقبلة.
نقلا عن سكاي نيوز عربية




