رأي

مصر تقرأ من الكتاب القديم

آدم بركة دفع الله

 

 آدم بركة دفع الله

ما زلت أؤكد أن مصر الرسمية لا تزال تقرأ المشهد السوداني من صفحات كتاب قديم، كتاب تجاوزته الوقائع وتخطته التحولات العميقة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة. فالتصريحات التي أدلى بها مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة بشأن السودان تعكس، في جوهرها، استمرار الرؤية التقليدية ذاتها التي لم تستوعب بعد حجم التغيير الذي جرى على الأرض ولا طبيعة المرحلة الجديدة التي يتشكل فيها السودان اليوم.

حين يتحدث المسؤول المصري عن ضرورة توفير بيئة إقليمية مسؤولة وحكيمة، وعن أهمية الحفاظ على السودان موحدًا ومستقرًا، فإن هذه العبارات تبدو في ظاهرها دعوة إيجابية، لكنها تفقد الكثير من قيمتها عندما تصدر عن دولة ظلت تنظر إلى السودان بعين المصالح القديمة والحسابات التقليدية التي لم تعد قادرة على تفسير الواقع الراهن.

إن الحكمة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بالمتغيرات الكبرى، وبالتعامل مع الوقائع كما هي لا كما كانت. والسودان اليوم ليس هو السودان الذي عرفته مراكز صناعة القرار الإقليمي قبل سنوات. لقد دخلت البلاد مرحلة جديدة فرضتها التضحيات الجسام والتحولات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي أعادت تشكيل المشهد بصورة لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها.

أما الحديث عن تدفق السلاح والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، فإنه يظل حديثًا ناقصًا ما لم يتناول بصورة شاملة مختلف أشكال التدخل الإقليمي التي ساهمت في تعقيد الأزمة السودانية وإطالة أمدها. فلا يمكن معالجة جذور المشكلة عبر توجيه الاتهامات لطرف واحد، مع تجاهل الأدوار التي مارستها أطراف أخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مسار الصراع.

لقد أصبح واضحًا أن كثيرًا من القوى الإقليمية لا تزال تراهن على إعادة إنتاج ترتيبات سياسية تجاوزها الزمن، وعلى استعادة معادلات سقطت عمليًا بفعل التحولات الجارية داخل السودان. غير أن الشعوب السودانية دفعت أثمانًا باهظة من أجل تغيير هذا الواقع، ولن تقبل العودة إلى المربع الذي خرجت منه بإرادتها وتضحياتها.

إن ما يصفه البعض بالكيانات الموازية أو البدائل المؤقتة ليس، في نظر قطاع واسع من السودانيين، سوى محاولة لبناء مؤسسات جديدة تعبر عن تطلعات مرحلة مختلفة، وتستجيب لمطالب طال انتظارها في العدالة والمشاركة وإعادة توزيع السلطة والثروة على أسس أكثر إنصافًا. وهذه عملية سياسية وتاريخية لا يمكن اختزالها في أوصاف إعلامية أو مواقف دبلوماسية عابرة.

لقد عاش السودان طويلًا تحت وطأة الوصاية السياسية والإقليمية، وعانى من محاولات مستمرة لمصادرة إرادة شعبه وتحديد خياراته من الخارج. لكن المرحلة الراهنة تحمل ملامح مختلفة؛ إذ بات الصوت السوداني أكثر قدرة على التعبير عن نفسه، وأكثر إصرارًا على رسم مستقبله وفقًا لأولوياته الوطنية لا وفقًا لحسابات الآخرين.

ولذلك فإن الأيام المقبلة ستكشف حجم التحول الذي تشهده البلاد، وستؤكد أن الرهان على الماضي لم يعد مجديًا. وعندها ستدرك مصر، كما ستدرك أطراف أخرى، أن السودان الجديد يتشكل بالفعل أمام أعين الجميع، وأن المشكلة لم تكن يومًا في الواقع السوداني المتغير، بل في الإصرار على قراءته من كتاب قديم بينما يكتب السودانيون، بإرادتهم وتضحياتهم، فصول مستقبلهم الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!