رأي

تحرير الابيض بين إرث الماضي البغيض وآفاق التغيير الجذري

نجم الدين دريسة 

 

نجم الدين دريسة 

إرادة الشعوب تصنع معجزات التحرر وتدمر عروش الطغيان وجبروت النخبة 

   تستشرف الأمة السودانية في هذه اللحظات المفصلية من تاريخها المعاصر عهداً جديداً يتشكل بمداد الكرامة والتضحية، حيث يمثل الانطلاق المبارك والمهيب نحو تحرير مدينة الأبيض الاستراتيجية موقفاً وطنياً وأخلاقياً خالصاً لا يقبل القسمة على اثنين، معلناً بوضوح وجلاء لا لبس فيه أن أوان الاقتلاع الجذري قد حان ولا تراجع عنه أبداً. إنها الهبة الكبرى واللحظة الحاضرة والفاصلة التي انتظرها الملايين لِوضع حدٍ نهائي، حاسم، وقاطع لِوكلاء الاستعمار، وأزيالهم، وزبانيتهم المنتشرين، ولكل قوى الردة الباغية التي بذلت كل رخيص وغالٍ وعملت جاهدة لِكي يظل السودان الحبيب قابعاً ومكبوتاً خلف أسوار الظلم المظلمة، والفساد المستشري، والاستبداد المقيت، وحكم وكلاء القوى الخارجية، والتمسك بأذيال دولة 56 المأفونة، تلك الدولة العميقة التي أسست للتهميش التاريخي، وكرست الفوارق الطبقية، وعملت على إقصاء غالبية شعوب الهامش السوداني العريض وحرمانها من أبسط حقوق المواطنة والعيش الكريم والعدالة الاجتماعية.

إن التاريخ اليوم يعيد نفسه بأبهى صور الكبرياء والشرف في ربوع السودان فكما كانت أرض “شيكان” النضال بالأمس القريب مقبرة تاريخية حقيقية للغزاة الطامعين الأجانب، فإن الأبيض اليوم ستكون المقبرة الكبرى والحتمية لوكلاء الغزاة الجدد والمتاجرين بقضايا الوطن. وفي هذا المنعطف الحاسم والمنعطف التاريخي الكبير، يبرز قائد همام، شجاع، ورائد حقيقي لا يكذب أهله ولا يخذل شعبه، قائد يقود بكل جسارة وعزيمة آمال وتطلعات وأشواق شعوب الهامش المظلومة نحو النصر المؤزر والفتح المبين؛ إنه الفريق أول محمد حمدان دقلو، الذي يزمجر في كل منعطف عسكري وسياسي، محطماً قيود الماضي البغيض، ومؤسساً لعهد الانعتاق الحر والنهضة الشاملة. إن قوات تحالف السودان التأسيسي ومعه قوات التحرر الوطني الأبية لا تسعى فقط لرفع رايات النصر والتمكين في ربوع مدينة الأبيض وحدها، بل إن غايتها الكبرى والأساسية التي تعهدت بها هي تطهير كل شبر من أرض السودان الطاهرة من دنس الخونة والعملاء والمتآمرين على مقدرات هذا الوطن العظيم وشعبه الصابر المكلوم.

إننا نراهن اليوم بكل ثقة ويقين على وعي الشعوب السودانية المقهورة التي توحدت أخيراً وتركت خلافاتها جانباً لتصطف في جبهة صلبة واحدة ضد صلف وغرور الدولة المركزية النخبوية، تلك الدولة التي ظلت طوال عقود تعتمد على سياسة “فرق تسد” الخبيثة لضرب شعوب الهامش وتفتيت وحدتها الوطنية وإثارة النعرات القبلية بينها لضمان استمرار نفوذها. واليوم، تحزمت هذه الشعوب الحرة الواعية وجمعت أمرها من أجل استرداد الدولة المختطفة والانعتاق التام من براثن الماضي البغيض المرير، والانطلاق بقوة نحو مستقبل مشرق تسوده قيم الحرية الحقيقية، والعدالة الشاملة، والسلام المستدام، والتعايش السلمي والأخوي بين كافة المكونات. وتعلم قيادة التحرر التأسيسي تمام العلم أن قوى البغي والردة، بعد أن تأكدت ميدانياً وعسكرياً أنها لن تقوى أبداً على مواجهة بأس وقوة قوات التحرر الوطني وقوات التأسيس الباسلة في ساحات الوغى، لجأت كعادتها إلى حيل الضعفاء؛ حيث أعد فلول دولة وكلاء الاستعمار حملاتهم الإعلامية المضللة ودعاياتهم السوداء الكذوبة، ومضمارهم الإعلامي المأجور الذي ينضح بالأكاذيب والأراجيف، محاولين بكل جهد بائس جعل الكلفة السياسية صعبة على مشروع التأسيس الوطني الشامل.

إننا نتوقع وسنسمع في الأيام المقبلة عويلاً، وصراخاً، وبكاءً مصطنعاً من الأبواق المأجورة حول حدوث انتهاكات، وتجاوزات، وفظائع، وسيركزون على كل أشكال الدعاية الرخيصة الرامية لشيطنة قوات التأسيس الابطال  ولكن الشعب السوداني العظيم صار اليوم أكثر وعياً من أي وقت مضى، والردة إلى الوراء باتت مستحيلة تماماً. والرد القاطع على هذه الأكاذيب يتجلى في أن الجيش الذي يتقدم بخطى ثابتة نحو الأبيض هو جيش النخبة والصفوة من قوات التأسيس، وهي قوات تلقت تدريباً نوعياً ومتقدماً على أعلى المستويات الاحترافية في إدارة كافة أشكال حروب المدن، وكيفية التعاطي الإنساني الراقي مع المدنيين العزل وحمايتهم القصوى وتأمين ممتلكاتهم وأرواحهم.

وفي إطار هذا الالتزام الأخلاقي والمسؤولية الوطنية، طرحت حكومة السلام الانتقالية بالأمس القريب رؤيتها الشاملة والكاملة في مسألة فتح مسارات آمنة ومحددة لضمان خروج المدنيين بسلام واطمئنان من مناطق العمليات، وحذرت في الوقت نفسه وبشدة جيش الحركة والفلول من مغبة استخدام المدنيين الأبرياء كدروع بشرية أو تجنيدهم قسرياً وإجبارهم على القتال في صفوف ميليشيات الجيش المتهالكة. وأكدت حكومة تأسيس التزامها المطلق بالقيام بكافة واجباتها الإنسانية وتوفير المستلزمات الأساسية للمواطنين من مأكل، ومشرب، وأمن، وعناية صحية شاملة، لتثبت للعالم أجمع تفوقها الأخلاقي والميداني في معركة بناء دولة المواطنة الحقة والعدالة والكرامة الإنسانية، وإنهاء عهد الاستبداد وإلى الأبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!