رأي

العلاقة الجدلية بين المؤسسة العسكرية والنخب المركزية في السودان:

محمد البخيت

 

فحيح الأفعى: محمد البخيت

ظلت العلاقة بين المؤسسة العسكرية والنخب السياسية المركزية في السودان واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في تشكيل الدولة السودانية منذ الاستقلال. فهذه العلاقة لم تكن مجرد تفاعل عابر بين مؤسسة أمنية وسلطة مدنية، وإنما تشكلت عبر عقود طويلة كمنظومة متشابكة من المصالح والنفوذ والتحالفات السياسية والاجتماعية، حتى أصبحت أحد أهم العوامل المحددة لطبيعة الحكم ومسار التحولات الوطنية.

ومن خلال تتبع تاريخ الدولة السودانية يتضح أن قطاعات واسعة من النخب المركزية ظلت تنظر إلى المؤسسة العسكرية باعتبارها الضامن الأساسي لاستمرار الترتيبات السياسية والاقتصادية التي نشأت بعد الاستقلال. فهناك ارتباط عميق بين الطرفين يقوم على حماية بنية السلطة القائمة والمحافظة على مراكز النفوذ داخل الدولة ومؤسساتها المختلفة.

لقد احتلت هذه النخب مواقع متقدمة داخل الجهاز التنفيذي والخدمة المدنية والمؤسسات العدلية والأمنية والاقتصادية، كما برز حضورها داخل هرم المؤسسة العسكرية نفسها، الأمر الذي أوجد حالة من التداخل بين مصالح النخبة السياسية ومصالح المؤسسة العسكرية. ونتيجة لذلك أصبحت الدولة في كثير من مراحلها انعكاسًا لرؤية محددة ومصالح فئة بعينها، بينما ظلت قطاعات واسعة من السودانيين في الأقاليم والهوامش بعيدة عن دوائر اتخاذ القرار والتأثير الحقيقي في صناعة مستقبل البلاد.

ولم يقتصر الأمر على الاحتكار السياسي والإداري، بل امتد إلى إدارة الصراعات الاجتماعية وإعادة إنتاجها بصورة مستمرة. فبدلاً من معالجة جذور الأزمات التاريخية المرتبطة بالتنمية والتمثيل السياسي والعدالة الاجتماعية، جرى توظيف أدوات الدولة الأمنية والاستخباراتية في إدارة التناقضات الداخلية وإبقاء المجتمعات المحلية منشغلة بصراعاتها الخاصة، بما يحد من قدرتها على المطالبة بالمشاركة العادلة في السلطة والثروة.

وفي هذا السياق برز الدور السياسي والاقتصادي للمؤسسة العسكرية بوصفه أحد أهم ملامح الدولة السودانية الحديثة. فمنذ انقلاب عام 1958 أصبح تدخل الجيش في الشأن السياسي ظاهرة متكررة، حتى تحولت الانقلابات العسكرية إلى جزء من المشهد السياسي السوداني. وفي كل مرة كان التدخل يُبرَّر بشعارات إنقاذ الدولة أو معالجة إخفاقات الحكومات المدنية، غير أن النتيجة كانت في الغالب توسيع نفوذ المؤسسة العسكرية وترسيخ حضورها في إدارة الشأن العام.

ومع مرور الوقت لم تعد المؤسسة العسكرية تكتفي بأدوارها التقليدية المرتبطة بالدفاع والأمن، بل توسعت في النشاط الاقتصادي وأسست منظومات استثمارية وتجارية ضخمة مكنتها من امتلاك مصادر مستقلة للقوة والنفوذ. وأدى ذلك إلى تحولها إلى فاعل اقتصادي وسياسي مؤثر يصعب تجاوزه في أي معادلة تتعلق بمستقبل الحكم في السودان.

ويرى كثير من المراقبين أن هذا التوسع لم يكن منفصلًا عن مصالح النخب المركزية، بل جاء في إطار شراكة غير معلنة هدفت إلى حماية البنية التقليدية للسلطة ومنع أي تحولات جذرية يمكن أن تفضي إلى إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة. لذلك أصبحت المؤسسة العسكرية بالنسبة لهذه النخب أداة للحفاظ على التوازنات القائمة وسدًا في مواجهة المشاريع السياسية التي تنادي بإعادة هيكلة الدولة على أسس جديدة.

ومن جهة أخرى، يرتبط استمرار هذه المنظومة بطبيعة العلاقة التاريخية بين بعض النخب السودانية ومصر. فقد تأثرت أجيال متعاقبة من أبناء المركز بالنموذج السياسي والإداري المصري، سواء عبر التعليم أو الثقافة أو الروابط السياسية التي تشكلت خلال الحقبة الاستعمارية وما بعدها. وأسهم ذلك في تعزيز رؤية للدولة تقوم على المركزية الشديدة وهيمنة المؤسسة العسكرية على المجال العام.

وفي المقابل، حملت قوى الهامش السوداني رؤى مختلفة انطلقت من مطالب العدالة والمساواة وإعادة توزيع السلطة والثروة. ولذلك نشأت حالة من التوتر المستمر بين مشروع يسعى إلى المحافظة على البنية التقليدية للدولة، ومشروع آخر يدعو إلى إعادة تأسيسها على أسس أكثر شمولاً وعدالة.

كما أن كثيرًا من الانتقادات وُجهت إلى المؤسسة العسكرية بسبب انشغالها بالصراع السياسي والاقتصادي على حساب أدوارها الأساسية في حماية الحدود وصون النظام الدستوري. ويرى منتقدو هذا النهج أن التداخل بين العسكري والسياسي أسهم في إضعاف التجربة الديمقراطية السودانية وأدى إلى تعطيل عمليات الانتقال المدني وتكرار دورات عدم الاستقرار.

وفي هذا الإطار يذهب أصحاب هذه الرؤية إلى أن التحول الحقيقي في السودان يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمؤسسة العسكرية، بحيث تعود القوات النظامية إلى مهامها المهنية بعيدًا عن التنافس السياسي والاقتصادي، مع بناء مؤسسات مدنية قوية وقادرة على إدارة شؤون البلاد وفق قواعد الديمقراطية وسيادة القانون.

كما يرون أن تعزيز السيادة الوطنية يقتضي استقلال القرار السوداني عن أي تأثيرات خارجية، والعمل على تأسيس دولة تستمد مشروعيتها من إرادة مواطنيها لا من موازين القوى الإقليمية أو تحالفات النخب التقليدية. فالدولة الحديثة لا تُبنى بالوصاية ولا بإعادة إنتاج الأزمات، وإنما بالمشاركة العادلة والاعتراف بالتنوع وإقامة مؤسسات وطنية تمثل جميع السودانيين دون استثناء.

وهكذا تظل العلاقة بين المؤسسة العسكرية والنخب المركزية إحدى العقد الرئيسية في تاريخ السودان المعاصر، حيث يتوقف مستقبل الدولة إلى حد كبير على قدرة السودانيين على إعادة صياغة هذه العلاقة بما يحقق التوازن بين متطلبات الأمن وضرورات الديمقراطية، ويؤسس لدولة المواطنة والعدالة والشراكة الوطنية الحقيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!