
م. محمد غافل
رئيس اللجان المدنية السودانية
1
عام ١٩٥٥م ثار الجنود من أبناء جنوب السودان على قائد الحامية “حامية الاستوائية” بتوريت، وكان السبب الرئيسي للثورة “أو كما يحلو لوكلاء المستعمر تسميتها تمردًا” هو قرارات لجنة السودنة – اللجنة المناط بها سودنة الوظائف القيادية في الدولة، وكان عددها ٨٣٢ وظيفة قيادية – وكان نصيب جنوب السودان ٦ وظائف من أصل ٨٣٢ وظيفة.
وكان نصيب إقليم كردفان وإقليم الوسط ١٢ وظيفة.
أما إقليم الشرق وإقليم دارفور فكان نصيبهما (صفرًا كبيرًا).
اعترض الجنوبيون على ذلك، وقالوا: إننا استبدلنا مستعمرًا خارجيًا بمستعمر داخلي.
فثاروا “أو تمردوا”، وقتلوا الضباط “الذين كانوا جميعهم شماليين”، واستمرت الأحداث من يوم ١٨ أغسطس حتى يوم ٣٠ أغسطس. وأُخمدت الثورة، ولجأ بقية الثوار إلى الغابات، وأسسوا حركة “أنانيا” المعروفة، واستمر نضالهم لعشرات السنين، تخللته اتفاقيات سلام هشة لم تصمد بسبب استمرار التهميش، ولأن جذور المشكلة لم تُعالج.
2
في شهر فبراير سنة ٢٠٠٣م قامت حركتان مسلحتان “حركة جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة” بالانتفاضة المسلحة ضد دولة وكلاء المستعمر، وكان السبب الرئيسي للانتفاضة “أو كما يسمونها التمرد” هو التهميش السياسي والاقتصادي الذي تعود جذوره إلى سودنة الوظائف.
أدت الحرب والمواجهات إلى مقتل أكثر من ٣٠٠ ألف مواطن من دارفور – “حواضن المتمردين” كما تسميهم دولة وكلاء المستعمر. وكان سبب عدم نجاح انتفاضة دارفور هو تصنيفها إلى “عرب وزرقة”، وهو ما استغلته حكومة المركز لاحقًا لتحويل الصراع إلى حرب أهلية. وانتهت حرب ٢٠٠٣ بعد عشرين عامًا باتفاق جوبا، الذي لعب فيه “محمد حمدان” الدور المحوري.
3
في عام ٢٠٢٣م غدر “وكلاء المستعمر” بقوات (الدعم السريع) عندما أصر قائدها على المضي قدمًا في إعادة بناء مؤسسات الدولة السودانية – العسكرية والمدنية – على أسس تضمن حقوق جميع السودانيين.
نجح (محمد حمدان) في هدم الدولة القديمة “دولة وكلاء المستعمر”.
والغريب في الأمر أن الذين كانوا يرفعون شعار التهميش، والذين حاربوا الدولة القديمة لأكثر من عشرين عامًا، وفقدوا فيها أكثر من ٣٠٠ ألف مواطن، اصطفوا مع قاتل أطفالهم ونسائهم ضد الثوار الجدد، لا لشيء إلا لكراهيتهم “للعرب”، متناسين شعارات “الهامش والمركز”. وحاولوا إفشال مشروع تحطيم “دولة وكلاء المستعمر” وبناء السودان الجديد الذي يهتم بكرامة جميع أبناء الشعب السوداني.
4
نشرت قناة الحدث الفضائية مقطع فيديو يُظهر نساءً من دارفور “ينتمين إلى المكونات الاجتماعية نفسها المنضوية ضمن المشتركة”، وهن يحاولن عبور أحد الأودية التي لا يتجاوز عرضها عشرين مترًا. ومع ذلك، فشلت الدولة المركزية “دولة وكلاء المستعمر” في تشييد جسر صغير يضمن لهؤلاء المواطنات عبورًا آمنًا وكريمًا.
ويتكرر هذا المشهد يوميًا مع كل موسم خريف في دارفور وكردفان؛ إذ تقطع مئات الأودية الطرق، وتعزل القرى والمدن، فيخاطر المواطنون بحياتهم من أجل الوصول إلى مدارسهم أو مزارعهم أو الأسواق أو المرافق الصحية. فينجو بعضهم، بينما يجرف التيار آخرين، لتتحول الأودية إلى مقابر مفتوحة، وتُضاف أسماء جديدة إلى قائمة ضحايا الإهمال المزمن.
من أجل هذا نقاتل.
سودان قديم يتحطم… سودان جديد يتقدم.




