
م. محمد غافل
رئيس اللجان المدنية السودانية
أثارت التصريحات الأخيرة للدكتورة أماني الطويل، مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية السودانية، بعد دعوتها الولايات المتحدة إلى التدخل لمنع تقدم قوات “تأسيس” نحو مدينة الأبيض. ولم يكن هذا التصريح حدثاً عابراً يمكن المرور عليه باعتباره مجرد رأي أكاديمي، بل اكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الذي تشغله صاحبته وطبيعة المؤسسة التي تنتمي إليها.
فمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية يعد واحداً من أبرز مراكز التفكير وصناعة الرأي في مصر، ويرتبط تاريخياً بمتابعة الملفات الإقليمية ذات الصلة المباشرة بالأمن القومي المصري. لذلك فإن أي موقف يصدر عن شخصيات فاعلة داخله يُقرأ في كثير من الأحيان باعتباره انعكاساً لمخاوف وتقديرات متداولة داخل دوائر النخبة السياسية والأمنية المصرية، حتى وإن جاء في إطار تحليل أو تقدير شخصي.
ويكتسب هذا التصريح دلالة إضافية عند وضعه في سياق الموقف المصري المعلن تجاه الأزمة السودانية. ففي ديسمبر 2025 تحدثت الرئاسة المصرية بوضوح عن وجود “خطوط حمراء” في السودان لا يمكن السماح بتجاوزها، معتبرة أن المساس بها يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري. ومنذ ذلك التاريخ ظل السؤال مطروحاً حول طبيعة تلك الخطوط وحدودها الجغرافية والسياسية والعسكرية.
اليوم، ومع اقتراب قوات “تأسيس” من مدينة الأبيض، يبدو أن هذه المدينة أصبحت في قلب تلك الحسابات الإقليمية. فالأبيض ليست مجرد مدينة سودانية كبيرة أو مركزاً إدارياً مهماً، بل تمثل عقدة استراتيجية تربط بين أقاليم السودان المختلفة. فهي بوابة تربط كردفان بدارفور، وتشكل حلقة وصل مع إقليم الوسط والخرطوم والشمال، ما يجعل السيطرة عليها عاملاً مؤثراً في إعادة رسم موازين القوى على امتداد الجغرافيا السودانية.
اقتصادياً، تحتل الأبيض موقعاً محورياً في حركة التجارة والنقل والصادرات السودانية. وتاريخياً ظلت المدينة مركزاً لتجميع وتسويق الثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية والصمغ العربي والمنتجات الاستراتيجية الأخرى. وأي تحول في السيطرة على هذه المنطقة ينعكس بصورة مباشرة على مسارات التجارة وحركة الموارد والأسواق الإقليمية المرتبطة بها. ولهذا فإن مستقبل الأبيض لا يقتصر تأثيره على الداخل السوداني، بل يمتد إلى حسابات اقتصادية تتجاوز الحدود الوطنية.
أما من الناحية العسكرية، فإن أهمية الأبيض تتجاوز قيمتها الجغرافية. فالتطورات الميدانية المرتبطة بها قد تفتح مرحلة جديدة من الحرب، وتنقل مركز الثقل العسكري من ساحات كردفان إلى تخوم ولاية الخرطوم. ولهذا تنظر الأطراف المختلفة إلى المدينة باعتبارها نقطة تحول استراتيجية يمكن أن تؤثر على مجمل مسار الصراع وتعيد تشكيل الخريطة العسكرية والسياسية للحرب.
كما أن أي تغيير في واقع السيطرة على الأبيض سيؤدي إلى تقليص الضغوط العسكرية التي واجهتها مناطق واسعة في دارفور خلال السنوات الماضية، وسيؤثر على طرق الإمداد والانتشار العسكري وموازين الحركة بين مختلف الجبهات. ومن هنا يمكن فهم حجم الاهتمام الإقليمي والدولي المتزايد بما يجري حول المدينة، والقلق الذي تعكسه بعض التصريحات الصادرة من خارج السودان.
إن جوهر القضية لا يكمن في مدينة بعينها، وإنما في ما تمثله الأبيض من دلالة استراتيجية في معركة تحديد مستقبل السودان. فالصراع الدائر اليوم لم يعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل أصبح صراعاً على شكل الدولة المقبلة، وعلى موازين النفوذ داخل الإقليم، وعلى طبيعة النظام السياسي الذي سيتشكل بعد انتهاء الحرب.
ولذلك فإن الجدل المتصاعد حول الأبيض يكشف أن المدينة أصبحت أكثر من مجرد هدف عسكري؛ إنها نقطة ارتكاز في معادلة إقليمية معقدة تتداخل فيها اعتبارات الأمن والاقتصاد والسياسة والجغرافيا. ومن هنا تأتي أهمية متابعة ما يجري حولها باعتباره جزءاً من معركة أكبر تتعلق بمستقبل السودان وموقعه في الإقليم خلال السنوات القادمة.




