رأي

تجّار الحرب.. عندما يصبح الوطن سوقاً للخراب

عبدالعزيز بخات المحامي

 

عبدالعزيز بخات المحامي

في أزمنة الحروب لا تسيل الدماء وحدها، بل تنكشف المعادن الحقيقية للبشر، وتتعرى الضمائر أمام امتحان الإنسانية الأكبر. هناك من يفقد أبناءه، وهناك من يودع منزله وذكرياته، وهناك من يُقتلع من أرضه ليواجه مصيراً مجهولاً بين النزوح والجوع والخوف. وفي المقابل، هناك من يجلس بعيداً عن ألسنة النار، يراقب عدادات الأرباح وهي ترتفع، وكأن الوطن لا يحترق، وكأن المأساة العامة ليست سوى فرصة استثمارية استثنائية لا ينبغي أن تنتهي.

لقد أفرزت الحرب في السودان ظاهرة أكثر خطورة من الدمار العسكري نفسه؛ ظاهرة الاقتصاد الطفيلي الذي لا يعيش إلا على استمرار الأزمات. اقتصاد لا ينتج قيمة حقيقية، ولا يبني مصنعاً، ولا يزرع حقلاً، ولا يخلق فرص عمل، بل يقتات على الخراب، ويستثمر في الخوف، ويحوّل معاناة الناس إلى مورد مالي مفتوح.

إن أخطر ما تفعله الحروب ليس فقط قتل البشر، وإنما إعادة تشكيل منظومة المصالح داخل المجتمع بحيث يصبح استمرار الكارثة ضرورة اقتصادية لفئات بعينها. وهنا تكمن المأساة الحقيقية؛ حين يتحول السلام إلى تهديد لمصالح البعض، وتصبح الحرب مشروعاً مربحاً أكثر من أي نشاط إنتاجي مشروع.

في السودان اليوم، نشأت طبقة كاملة من المنتفعين من الفوضى. لا يحملون السلاح بالضرورة، ولا يظهرون في واجهات المشهد السياسي، لكنهم يحققون المكاسب من كل أزمة، ويجنون الأرباح من كل يوم يطول فيه أمد النزاع. يستفيدون من انهيار الرقابة، ومن اضطراب الأسواق، ومن ضعف المؤسسات، ومن خوف المواطنين على قوت يومهم.

وحين يقفز سعر الدولار خلال ساعات بلا مبررات حقيقية، وحين تتحول السلع الأساسية إلى عبء يفوق قدرة الغالبية العظمى من المواطنين، وحين يصبح الدواء أمنية بعيدة المنال، فإن السؤال الأهم لا ينبغي أن يكون: لماذا ارتفعت الأسعار؟ بل: من المستفيد؟ ومن الذي يملك القدرة على توجيه السوق والتحكم في تدفق السلع والعملات؟ ومن الذي تتضخم ثرواته كلما ازداد فقر الناس؟

إن الجشع في زمن الحرب ليس مجرد انحراف أخلاقي، بل جريمة اجتماعية مكتملة الأركان. فالذي يحتكر الغذاء يدرك أن أسراً كاملة ستواجه الجوع، والذي يحتكر الدواء يعلم أن مرضى قد يفقدون حياتهم، والذي يضارب في العملات يدرك أن ملايين المواطنين سيدفعون الثمن من قوتهم ومدخراتهم وقدرتهم على العيش الكريم. ومع ذلك يستمر، لأن الإنسان بالنسبة إليه ليس قيمة أخلاقية، بل رقم داخل معادلة الربح والخسارة.

لقد أصبحت لبعض الشبكات الاقتصادية مصلحة مباشرة في استمرار النزاع. فالسلام يعني عودة الدولة، وعودة الرقابة، واستقرار الأسواق، وانخفاض هوامش الأرباح غير المشروعة، وفتح باب المنافسة العادلة. أما الحرب فتمنحهم بيئة مثالية للاحتكار والتهريب والمضاربة والثراء السريع. ولهذا فإن بعض المستفيدين من الأزمة لا يخشون الحرب بقدر ما يخشون نهايتها.

ومن يتأمل المشهد الاقتصادي خلال سنوات النزاع يلاحظ حقائق يصعب تجاهلها؛ ثروات هائلة تشكلت في وقت قياسي، وشبكات مالية توسعت بصورة لافتة، ودوائر احتكار أصبحت تتحكم في مفاصل أساسية من حياة الناس. لقد تحولت الفوضى بالنسبة لبعضهم إلى منجم مفتوح للربح، وأصبحت معاناة المواطنين جزءاً من دورة اقتصادية غير أخلاقية تدر الأموال على حساب الكرامة الإنسانية.

وفي المقابل، يخوض المواطن السوداني معركتين يومياً؛ معركة للحفاظ على حياته، ومعركة للحفاظ على قدرته على العيش. فالأب الذي ينجو من القصف قد يعجز عن شراء الخبز، والمريض الذي يتجاوز خطر الرصاص قد يقف عاجزاً أمام أسعار العلاج، والطالب الذي يهرب من أهوال الحرب قد يضطر إلى مغادرة مقاعد الدراسة لأن أسرته لم تعد قادرة على تحمل أعباء الحياة.

إن ما نواجهه ليس مجرد أزمة معيشية أو اختلال اقتصادي عابر، بل أزمة قيم وضمير. فالتجارة التي تُبنى على استغلال الكوارث الإنسانية لا يمكن أن تكون تجارة مشروعة مهما أُحيطت بالمبررات. والربح الذي يُولد من دموع الأمهات، ومن جوع الأطفال، ومن عجز المرضى، ليس نجاحاً اقتصادياً، بل سقوطاً أخلاقياً وإنسانياً مدوياً.

ومن منظور قانوني، فإن الاحتكار والمضاربة غير المشروعة واستغلال الظروف الاستثنائية لتحقيق مكاسب فاحشة تمثل انتهاكاً واضحاً لمبادئ العدالة الاقتصادية وحقوق الإنسان الأساسية. فحق الإنسان في الغذاء والدواء والحياة الكريمة ليس امتيازاً تمنحه الأسواق، وإنما حق أصيل يجب أن تحميه القوانين والمؤسسات العامة.

إن السودان لن يخرج من أزمته بمجرد إسكات أصوات البنادق إذا بقيت الأسواق أسيرة للمحتكرين والمضاربين وتجار الأزمات. فالسلام الحقيقي لا يتحقق فقط بوقف إطلاق النار، وإنما بتفكيك منظومة المصالح التي تتغذى على الحرب، وإعادة بناء اقتصاد يقوم على الإنتاج والعدالة والشفافية، لا على المضاربة والاحتكار والخوف.

وسيكتب التاريخ يوماً أن هذه الحرب لم تستمر بسبب السلاح وحده، بل لأن هناك من اكتشف فيها مصدراً دائماً للثروة والنفوذ. وسيكتب أيضاً أن بعض الذين لم يظهروا في ساحات القتال كانوا من أكثر الأطراف استفادة من استمرار النزيف الوطني، وأنهم قاوموا السلام بصمت لأن السلام كان يعني نهاية موسم الأرباح.

ويبقى السؤال الأخلاقي الأكبر معلقاً فوق الجميع: كم طفلاً نام جائعاً حتى تتضخم حسابات البعض؟ وكم مريضاً فقد فرصة العلاج حتى تتحقق صفقة جديدة؟ وكم أسرة تشردت حتى يضيف أحدهم رقماً جديداً إلى ثروته؟

إن الأوطان لا تدمرها المدافع وحدها، بل يدمرها أيضاً أولئك الذين يحولون آلام الشعوب إلى تجارة، ويجعلون من المأساة العامة سلماً للصعود الشخصي. ولذلك فإن معركة السودان ليست فقط ضد الحرب، بل ضد ثقافة الاستفادة من الحرب، وضد كل منظومة ترى في الخراب فرصة وفي معاناة الناس مشروعاً للاستثمار.

فالوطن الذي يتحول فيه الألم إلى رأس مال، والجوع إلى سوق، والخوف إلى سلعة، يكون مهدداً بفقدان روحه قبل أن يفقد استقراره. أما السلام الحقيقي فلا يولد من حسابات الأرباح، بل من العدالة، ومن احترام الإنسان، ومن الإيمان العميق بأن قيمة الحياة الإنسانية أغلى من كل الثروات، وأبقى من كل المكاسب العابرة.إذا أردت نسخة أكثر فخامة وأقرب إلى أسلوب كبار كتّاب الرأي والافتتاحيات الصحفية، يمكنني رفعها إلى مستوى أكثر بلاغة وتأثيراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!