رأي

«دِت»حين تختصر كلمة سودانية معركة الدولة

عماد جدو

 

عماد  جدو 

في السياسة، كثيرًا ما تختصر كلمة واحدة مشروعًا كاملًا. وفي السودان، برزت مؤخرًا مفردة «دِت» «دت» في العامية السودانية

 تُستخدم أحيانًا للتعبير عن الرفض أو عدم القبول، أي بمعنى: لا، أو هذا الشيء مرفوض. وتأتي غالبًا في الحديث اليومي للدلالة على عدم الموافقة على أمرٍ ما بحسب السياق.

، التي استخدمها السيد محمد حسن التعايشي في إحدى مخاطباته بمدينة الجنينة، لتتحول من مجرد تعبير دارج إلى عنوان سياسي يعكس رؤية تحالف تأسيس وحكومة السلام لمستقبل الدولة السودانية.

فـ«دِت» ليست مجرد لفظة عامية، وإنما تحمل معنى الإشارة إلى واقع ملموس هذا هو النموذج الذي نتحدث عنه، وهذه هي الدولة التي نريد بناءها. وليس الممارسات القديمة التي فشلت في بناء هوية وطنية جامعة تستوعب التنوع السوداني.

مركزية السلطة والثروة وتهميش الأقاليم.

استمرار الحروب والنزاعات المسلحة واستنزاف موارد الدولة.

عدم الاستقرار السياسي بسبب الانقلابات المتكررة.

ضعف التنمية الاقتصادية وتراجع الزراعة والصناعة.

تسييس الخدمة المدنية وإضعاف مبدأ الكفاءة.

ضعف استقلال القضاء وسيادة حكم القانون.

انتشار الفساد وسوء الإدارة.

غياب العدالة في توزيع السلطة والثروة بين الأقاليم.

تدهور التعليم والصحة والبنية التحتية.

العجز عن بناء مؤسسات دولة قوية ومستدامة.

ويستند هذا التصور بحسب ما تطرحه حكومة السلام إلى مشروع دستور 2025، الذي يقوم على إعادة تأسيس الدولة السودانية وفق معادلة جديدة لتوزيع السلطة والثروة، بحيث تنال الأقاليم نصيبها من الموارد العامة، وتمثيلًا عادلًا في الخدمة المدنية، والوظائف القيادية، والسلطة التنفيذية، والقضاء، والمؤسسات التشريعية، بعيدًا عن احتكار المركز وأدوات التمكين السياسي.

ولذلك، أصبحت كلمة «دِت» عند مؤيدي مشروع تأسيس هذه هي العدالة، وهذه هي الشراكة، وهذا هو السودان الذي يسع الجميع. ولا للسودان القديم سودان (سته وخمسين )

ويرى أنصار هذا المشروع أن دلالة الكلمة لم تعد مجرد شعار، بل تجلت في ما يعتبرونه جهودًا لبناء مؤسسات في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة السلام، من توفير خدمات التعليم والصحة، والعمل على بسط الأمن، واستكمال مؤسسات العدالة والقضاء، ومحاولات إنشاء إدارة مدنية تمارس وظائف الدولة.

وفي المقابل، تواجه سلطة بورتسودان انتقادات حادة لما يصفونه باتجاهات لإعادة إنتاج سياسات التمكين، مستشهدين بما يُتداول بشأن خطط لإعادة هيكلة الخدمة المدنية وتقليص أعداد العاملين فيها بصورة واسعة، ان هذه الإجراءات تؤدي إلى الإبقاء على كوادر بعينها داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يرونه عودة إلى فلسفة الاحتكار السياسي والإداري التي عرفت بسياسة التمكين والتي عانا منها السودان لعقود.

أن المشهد في بورتسودان يتسم بتزايد الانقسامات داخل التحالفات السياسية، وتصاعد الاتهامات بالفساد، وتراجع الأوضاع المعيشية، إلى جانب الاعتماد المتزايد على الدعم الخارجي في إدارة الأزمة، الأمر الذي يجعل القرار الوطني . أكثر عرضة للتأثر بحسابات الحلفاء الإقليميين.

ومن هنا تكتسب كلمة «دِت» بعدها الرمزي؛ فهي ليست مجرد مفردة شعبية، بل أصبحت في الخطاب السياسي تعبيرًا عن المفاضلة بين رؤيتين للدولة: رؤية تقوم – وفق مؤيديها – على إعادة توزيع السلطة والموارد وبناء دولة المواطنة، ورؤية يعتبرها خصومها استمرارًا لنهج المركز والتمكين وإعادة إنتاج الأزمة السودانية.

لقد اعتاد السودانيون أن تصنع الكلمات الكبيرة الشعارات، لكنهم اليوم يجدون أنفسهم أمام كلمة صغيرة جدًا في حروفها، كبيرة جدًا في معناها. فكلمة «دِت» لم تعد مجرد مفردة في خطاب سياسي، بل تحولت إلى رمز لمعركة تدور حول سؤال واحد: أي دولة يريدها السودانيون بعد الحرب.والتي سوف تكون اخر الحروب لانها شخصت أزمة الدولة السودانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!