رأي

في الذكرى الخامسة عشرة لاستقلال جنوب السودان٠٠٠من حلم التحرر إلى مشروع بناء الدولة والمصالحة

جيلان شريف 

 

جيلان شريف 

قبل خمسة عشر عامًا، كانت تجمعني زمالة العمل وأواصر الأخوة مع أخواتٍ عزيزات من جنوب السودان، في أكاديمية أصلان العالمية ومدارس نايل فالي أكاديمي. وما زلت أذكر ذلك اليوم بكل تفاصيله؛ يوم كانت حقائب السفر أثقل من أن تحملها الأيدي، لأنها كانت محمّلة بالذكريات.

ما زلت أسمع في ذاكرتي نحيب الفراق وحزن الوداع عندما صدر قرار العودة إلى الجنوب. كانت كل واحدة منهن تستعيد طفولتها في بحري، والكلاكلة، والحاج يوسف، وتحكي عن سنوات الدراسة، والجيره، والأصدقاء، وكأنها تودّع جزءًا من روحها. يومها لم أكن قد اختبرت معنى أن ينقسم الوطن، لكنني شاركتهن الحزن، وشعرت أن الفراق يشبه فطام الطفل عن حضنٍ ألفه ويحن إليه.

وكانت كلماتنا تتردد بيننا بإيمان ومحبة: “ما في جنوب بدون شمال، وما في شمال بدون جنوب… وكلنا إخوة.”

واليوم، وبعد مرور خمسة عشر عامًا على استقلال جمهورية جنوب السودان، لا تزال تلك الذكريات حاضرة، ولا تزال المحبة أكبر من الحدود، والإنسانية أوسع من السياسة.

[حلم الاستقلال… وبداية التحديات٠]

تحل الذكرى الخامسة عشرة لاستقلال جنوب السودان في وقت يمثل فيه هذا التاريخ أكثر من مجرد مناسبة وطنية؛ فهو لحظة للتأمل في مسيرة دولة قامت على حلم طويل بالتحرر والاعتراف بالهوية والحقوق، وفي الوقت نفسه مناسبة لمراجعة التحديات التي واجهت مشروع بناء الدولة منذ لحظة الاستقلال.

عندما أعلن جنوب السودان استقلاله في عام 2011، حمل المواطنون آمالًا كبيرة في قيام دولة جديدة تُنهي عقودًا من الصراع، وتفتح الطريق أمام السلام والتنمية والعدالة والمواطنة المتساوية. وكان الاستقلال تتويجًا لنضالات سياسية واجتماعية طويلة، ورسالة تؤكد أن إدارة التنوع والاعتراف بحقوق الشعوب يمكن أن يشكلا أساسًا لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.

[الاستقلال السياسي ليس نهاية الطريق]٠

لكن تجربة السنوات الخمس عشرة الماضية أظهرت أن الاستقلال السياسي، على أهميته، لا يكفي وحده لبناء دولة مستقرة. فبناء الدولة يحتاج إلى مؤسسات قوية، وحكم يقوم على سيادة القانون، وعدالة اجتماعية تضمن مشاركة جميع المواطنين، وقدرة على إدارة الاختلافات بعيدًا عن العنف والإقصاء.

لقد واجه جنوب السودان، بعد الاستقلال، تحديات جسيمة، كان أبرزها اندلاع النزاعات الداخلية التي كشفت عن هشاشة مؤسسات الدولة، وأثرت في مسار التنمية، وتسببت في معاناة إنسانية واسعة. كما أثبتت هذه التجربة أن بناء الدولة لا يمكن أن يعتمد فقط على الاتفاقات السياسية بين القيادات، بل يحتاج إلى مشروع وطني شامل يشارك فيه المجتمع بكل مكوناته.

[العدالة الانتقالية… أساس السلام المستدام]

ومن هنا تبرز أهمية العدالة الانتقالية باعتبارها أحد المداخل الأساسية لمعالجة آثار النزاعات والانتهاكات. فالسلام المستدام لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، وإنما يتطلب الاعتراف بمعاناة الضحايا، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، إلى جانب بناء مؤسسات قادرة على منع تكرار الأزمات.

[المصالحة الوطنية وبناء الثقة]

كما تمثل المصالحة الوطنية ضرورة تاريخية لجنوب السودان. فالمصالحة لا تعني تجاوز الماضي أو تجاهل آلام المتضررين، وإنما تعني مواجهة الماضي بشجاعة، وفتح مساحات للحوار، وإعادة بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع. فالدول الخارجة من النزاعات تحتاج إلى ترميم نسيجها الاجتماعي بقدر حاجتها إلى إعادة بناء مؤسساتها السياسية

[التنوع… من تحدٍ الي مصدر قوه]

إن التنوع الكبير الذي يتميز به جنوب السودان، بما يحمله من لغات وثقافات وتقاليد متعددة، لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مصدرًا للانقسام. فالتنوع يصبح أزمة عندما يقترن بالإقصاء وغياب العدالة، لكنه يتحول إلى مصدر قوة عندما تقوم الدولة على أساس المواطنة المتساوية، واحترام الحقوق، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون.

وفي الذكرى الخامسة عشرة للاستقلال، تبقى أمنية كل المحبين لجنوب السودان أن تتواصل خطوات السلام، وأن تتعزز مسيرة بناء الدولة، وأن تتحول تطلعات الاستقلال إلى واقع ينعكس أمنًا واستقرارًا وتنميةً وعدالةً لجميع المواطنين. كما تبقى العلاقة التاريخية والإنسانية بين السودان وجنوب السودان رصيدًا ينبغي الحفاظ عليه، وترسيخه بالتعاون والاحترام المتبادل، لأن ما يجمع الشعبين من تاريخ وجوار ومصالح مشتركة أكبر من أن تفرقه الحدود السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!