
الفاضل محمود أبوبكر
ليست الخرطوم أول مدينة يسقطها مشروع الإسلام السياسي، لكنها قد تكون آخر فرصة لفهم كيف يتحوّر هذا المشروع، ويغيّر جلده، ويعود في كل مرة بثوب مختلف، لكنه بذات العقلية: عقلية التمكين، والوصاية، والعنف
من قندهار إلى الخرطوم، تكررت القصة مع بعض التفاصيل المحلية: فتاوى، ورايات، ومليشيات عقائدية، و”فتح مبين” يُبشّر به قادة في القوات المسلحة، وهم في الواقع يوقّعون صكوك تسليم العاصمة إلى شبكات الإسلاميين التي تنفّذت من جديد تحت عباءة الجيش.
نفس السردية، نفس الخطاب، ونفس المصير: الخراب.
ما يجري في السودان ليس صراعًا بين “الجيش والدعم السريع”، هذه هي الكذبة التي تم تسويقها منذ اليوم الأول. الحقيقة أن الحرب، منذ لحظتها الأولى، كانت مشروعًا مضادًا للثورة، خططت له دوائر التنظيم الإسلامي ببرود، واستغلّت تناقضات المشهد العسكري والمدني لتُعيد هندسة الدولة على مقاسها من جديد. ليس من باب صناديق الاقتراع، بل من فوهات البنادق، ومن تحت الطاولة.
كل المؤشرات تقول إن الإسلاميين لم يغادروا المشهد بعد سقوطهم في 2019. انسحبوا ظاهريًا، ثم عادوا عبر القضاء، والإعلام، والبنك المركزي، وشركات الاتصالات، والأهم: داخل المؤسسة العسكرية، حيث وجدوا ضالتهم في جنرالات يبحثون عن غطاء سياسي ديني يعيد لهم السيطرة المطلقة، ويمنحهم شرعية في مواجهة قوات الدعم السريع
التحالف بين الإسلاميين والقيادة العامة للقوات المسلحة ليس وليد اللحظة. هو تحالف قائم على تبادل المصالح: الطرف الأول يملك الخبرة في إدارة الدولة من الخلف، والطرف الثاني يملك الدبابة والقرار التنفيذي. وما بينهما، يقف الشعب حائرًا تحت القصف، بين المطرقة والسندان
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الداخل. فهناك دعم خارجي واضح يعيد إحياء المشروع الإسلامي في السودان، سواء عبر التمويل المباشر أو التسهيلات الاستخباراتية. من طهران إلى الدوحة، ومن إسطنبول إلى مدن أخري ، تُنسج خيوط دقيقة تهدف لإعادة الخرطوم إلى محورها القديم، واستخدامها كمنصة إقليمية جديدة بعد خسارة كابول
الفرق أن هذه المرة، الرهانات أكبر، والخسائر أعمق، والضوء الأخضر للعودة لم يأت فقط من الخارج، بل من الداخل، من داخل مؤسسة عسكرية فقدت البوصلة، ورضيت بأن تكون واجهة لمشروع لا علاقة له بالدولة، ولا بالوطن، ولا حتى بالعقيدة
في هذا السياق، لا يمكن فصل ما تتعرض له النساء في السودان – من اغتصاب وتنكيل – عما يقوم به التيار الإسلامي في الخفاء. فالمؤسسات التي يفترض أن تحمي، صارت منصات تواطؤ، والجهات التي يُفترض أن تحقّق في الجرائم، تُغلق الملفات باسم “الستر”، أو تُنكرها علنًا.
ليس الأمر مجرد إفلات من العقاب، بل تساهل مقصود مع جرائم ممنهجة تُمارس ضمن استراتيجية أكبر: إنهاك المجتمعات، وتفكيك البنى الاجتماعية، وإرسال رسالة ضمنية بأن لا أحد في مأمن
ومن هنا، تبرز المعضلة: كيف يمكن بناء سلام دائم في ظل وجود مشروع متطرف يتغذى على الحرب، ويعيد إنتاج نفسه مع كل هدنة؟ وكيف يمكن الحديث عن انتقال مدني، بينما لا يزال التنظيم الإسلامي يتحكم في مفاصل الدولة العميقة، ويراوغ كل مبادرة تحت الطاولة؟
الجواب واضح: لا يمكن.
ولا يمكن لأي مسار ديمقراطي أن ينجح ما لم يتم تفكيك هذا المشروع، لا عبر شعارات العزل السياسي، بل عبر كشف بنيته المالية والعسكرية والإعلامية وتجفيف منابعه الداخلية والخارجية. فالإسلاميون في السودان ليسوا مجرد تيار سياسي، بل شبكة مصالح عابرة للحدود قادرة على التخفي والانقضاض في أي لحظة ضعف.
في النهاية، ما يحدث في السودان اليوم ليس سوى نسخة معدلة من نموذج طالبان – مع اختلاف اللغة واللهجة والسياق – لكنه النموذج ذاته في جوهره السيطرة على السلطة بالقوة، إسكات المجتمع بالقمع، وفرض تفسير واحد للدين والسياسة والهوية
لكن الفارق أن السودان لا يحتمل نسخة أخرى من “إمارة فاشلة”. فهو بلد متعدد، هش، محاط بأطماع دولية، وذو موقع استراتيجي حساس. وأي عبث فيه، لن تبقى نيرانه داخل الحدود، بل ستمتد إلى البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، وربما أوروبا نفسها.
ما لم يدركه العالم بعد، هو أن قندهار الخرطوم ليست نهاية حرب، بل بداية فوضى، وأن ترك السودان رهينة لتجربة الإسلاميين مرة أخرى، سيكون خطيئة لا تُغتفر.




