
أبو عبد الله الراشدي
ليس صحيحاً أن القوى المدنية في السودان تفتقر إلى الرؤية، ولا أنها عاجزة عن صياغة مشروع وطني بديل. على العكس، فإن الوثائق المطروحة، والبيانات الصادرة، والمبادرات المتناسلة داخل البلاد وخارجها، تعكس قدراً لافتاً من التقاطع حول القضايا الأساسية: وقف الحرب فوراً، إعطاء الأولوية للإغاثة الإنسانية وعودة النازحين، الشروع في إعادة الإعمار، بناء جيش وطني مهني بعقيدة دفاعية خالصة، وتأسيس سلطة انتقالية مدنية تقود إلى تحول ديمقراطي مستدام، مع إرساء مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
لكن المعضلة تكمن في المسافة بين الاتفاق النظري والفعل السياسي المنظم. فالقوى ذاتها التي تتلاقى في الأهداف، تتباعد في المنصات، وتتنافس في المسارات، وتستهلك طاقتها في ترسيم الفوارق الدقيقة بدلاً من تعظيم القواسم المشتركة. والنتيجة مشهد مدني متشظٍ، يضعف تأثيره في معادلة القوة، ويمنح خصوم التحول الديمقراطي فرصة لإعادة ترتيب الأوراق.
هذا التشظي لا يمكن فهمه دون العودة إلى لحظة مفصلية أعقبت سقوط النظام السابق. حينها، وُضعت أسس المرحلة الانتقالية على معادلة مختلطة بين المدنيين والعسكريين، عبر إشراك اللجنة الأمنية للنظام البائد في هياكل الحكم السيادية والتنفيذية. كان القرار، في نظر البعض، تسوية اضطرارية فرضتها موازين القوى؛ لكنه في جوهره حمل تناقضاً لم يُحلّ: كيف يمكن لقوى الثورة أن تتقاسم السلطة مع بنيةٍ كانت جزءاً من منظومة الحكم التي ثارت ضدها؟
ذلك التناقض البنيوي لم يُعالج برؤية استراتيجية واضحة، ولم تُستكمل أدوات تفكيكه المؤسسي، فظل كامناً يتغذى على الشكوك المتبادلة حتى انفجر في شكل صراع مفتوح أطاح بما تبقى من المسار الانتقالي. ومنذ ذلك الحين، لم تنجح القوى المدنية في إجراء مراجعة جماعية صريحة تعترف بنصيبها من المسؤولية، وتعيد تعريف قواعد العمل المشترك على أسس جديدة.
المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج التحالفات القديمة بأسمائها ذاتها، ولا تبادل الاتهامات حول من أخطأ أكثر. المطلوب هو تعاقد مدني جديد، يقوم على ثلاث ركائز: وضوح العلاقة بين المدني والعسكري بما يضمن خضوع المؤسسة العسكرية لسلطة مدنية منتخبة؛ برنامج انتقالي محدد الأولويات بزمن معلوم وآليات تنفيذ شفافة؛ وجبهة مدنية موحدة تتجاوز الشخصنة والصراعات الصغرى.
إن استمرار التشرذم في لحظة وطنية بهذه الخطورة ليس مجرد خطأ سياسي، بل مقامرة بمستقبل الدولة نفسها. فالحرب لا تترك فراغاً محايداً؛ إما أن تملأه رؤية مدنية جامعة، أو تتمدد داخله مشاريع الهيمنة والفوضى. والسودان اليوم يقف على حافة فرصة أخيرة: إما أن تتوحد قواه الديمقراطية حول حد أدنى صلب، أو يطول أمد التيه في دائرة العنف والانقسام.
في نهاية المطاف، لا تكفي عدالة القضايا إن لم تسندها وحدة الفاعلين. والوطن، المثقل بالجراح، لا ينتظر بيانات إضافية، بل ينتظر إرادة ترتقي إلى مستوى تضحيته.




