
د. دقاش حسب الله دقاش
استمعت بأسى عميق وأنا أتابع تصريحا منسوبا للشيخ عبد الحي يوسف يقول فيه لا يمكن العيش أو التعايش مع ما يسمى بالحواضن لشعب كامل حرر السودان بدماء أبنائه البررة لخروج المستعمر من السودان وهم الذين أعلنوا الاستقلال وهم الذين كسوا الكعبة الشريفة بأموالهم الطاهرة كل هذه التضحيات نساها عبد الحي يوسف وحتى الآن أبناء هذه المجتمعات هم الذين يقاتلون في الصفوف الأمامية مع الجيش ويقتل إخوانهم الذين لا ذنب لهم سوى أن الجغرافيا وضعتهم في هذا المكان.
إنها كلمات تقطر سما وتدمي القلب ولا يليق أن تصدر من لسان عالم دين يفترض أن يكون داعية للوحدة وراعيا للرحمة ولم الشمل بل هي كلمات تشبه نداءات الجاهلية الأولى التي جاء الإسلام قبل 1400 سنة ليقتلعها من جذورها ويستبدلها بميزان العدل والتقوى.
إن أخطر ما في هذا التصريح أنه يتستر بلباس الدين ليمنح الكراهية شرعية ويفتح الباب أمام من سيحمل السلاح غدا ليقول الشيخ قال لا يمكن التعايش والدين الذي يتحدث باسمه بريء من ذلك براءة الذئب من دم يوسف فقد جاء القرآن الكريم ليؤس لأعظم مشروع للمساواة الإنسانية فقال تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى).
فبأي ميزان وبأي فقه وبأي دليل يأتي من يصادر حق فئة كاملة في وطنها الذي ورثته أبا عن جد وبأي حق يحكم على ملايين السودانيين بأنهم غير قابلين للعيش معهم هذا ليس اجتهادا وإنما هو تحريض صريح والتحريض على فئة بعينها من كبائر الذنوب لأنه يفتح باب الفتنة وسفك الدماء وقد قال تعالى (والفتنة أشد من القتل).
إن دارفور هي السودان والسودان هو دارفور ومن يتحدث عن الغرابة وكأنهم ضيوف في هذا الوطن يرتكب جهلا بالتاريخ وخيانة للذاكرة فدارفور هي التي أنجبت التعايشي و الزبير باشا رحمة والسلطان علي دينار وهي التي قدمت العلماء والمجاهدين والشهداء الذين دافعوا عن ثغور هذا الوطن وروت بدماء أبنائها أرض السودان من الجنينة إلى بورتسودان.
فكيف يمكن الحديث عن استحالة التعايش في وطن عاش أهله خمسمائة عام متجاورين تزاوجنا وتصاهرنا وتحالفنا في السلم والحرب وتاجرنا وبنينا المدن والقرى سوية بعرقنا ودمائنا وإن المشكلة ليست في الغرابة ولا في الجلابة ولا في أي مسمى جهوي وإنما المشكلة الحقيقية في خطاب الكراهية الذي يريد أن يحول التنوع السوداني من نعمة إلى نقمة ومن مصدر قوة إلى ذريعة للاقتال.
التاريخ يعلمنا أن كل حرب أهلية في الدنيا بدأت بكلمة بدأت بوصم الآخر بأنه دخيل أو غريب أو لا يستحق الحياة وما يجري في دارفور اليوم من عنف ليس قدرا محتوما وإنما هو النتيجة المنطقية لتراكم خطاب عنصري ظل يبث لسنوات في المنابر وفي الفضائيات وفي وسائل التواصل فإذا لم نوقف هذا الخطاب اليوم فسنبكي غدا على وطن تمزق.
وقد حذرنا الله من ذلك فقال (وقولوا للناس حسنا) وقال أيضا (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم) والشيطان لا ينزغ بين الناس إلا بالكلمة الخبيثة والقول الفاحش
إن المطلوب الآن موقف ديني جامع من هيئة علماء السودان ومجمع الفقه بإصدار بيان واضح يبين حرمة التحريض العنصري ويؤكد أن وحدة المسلمين ووحدة الوطن فريضة شرعية كما أن المطلوب موقف قانوني رادع بتفعيل القوانين التي تجرم المحرضين على الكراهية والعنصرية فحرية التعبير لا تعني أبدا حرية إشعال الحرائق في النسيج الاجتماعي كما أن المطلوب موقف مجتمعي واع بمقاطعة كل من يروج لخطاب الفرقة وتربية أبنائنا على أن الهوية الأولى هي سوداني فقط بلا لون ولا جهة ولا قبيلة.
إن هذا التصريح مؤسف لأنه صدر ممن يفترض أنه يدعو إلى الله ومؤلم لأنه يطعن في خاصرة وطن ينزف من الحرب والفقر والتشظي ولكنني على يقين أن السودان أكبر من خطاب الكراهية وأن شعبنا أوعى من أن تنطلي عليه دعوات التقسيم البائسة وسنظل نردد (إنما المؤمنون إخوة) وسنظل نحلم ونعمل من أجل سودان جديد أساسه المواطنة المتساوية وميزانه الوحيد هو التقوى والعمل
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)
صدق الله العظيم
حفظ الله السودان وأهله من الفتن ما ظهر منها وما بطن




