رأي

سبعة عقود من الحكم…كيف أخفقت النخب السياسية الشمالية في قيادة السودان؟

الله جابو حمدان تيمان

 

 الله جابو حمدان تيمان 

الواقع التاريخي يشير إلى أن غالبية الحكومات التي تعاقبت على حكم السودان منذ الاستقلال كانت بقيادة نخب سياسية وعسكرية تنتمي إلى شمال السودان، ومن بينها شخصيات مثل إسماعيل الأزهري، وعبد الله خليل، ومحمد أحمد المحجوب، وإبراهيم عبود، وجعفر نميري، وعبد الرحمن سوار الذهب، والصادق المهدي، وعمر حسن أحمد البشير، وصولًا إلى عبد الفتاح البرهان. وهذه الحقيقة التاريخية تجعل تقييم تجربة هذه النخب السياسية أمرًا مشروعًا، لأن من يتولى السلطة يتحمل بطبيعة الحال المسؤولية الأساسية عن نتائجها.

لقد رفعت تلك النخب شعارات بناء الدولة والوحدة الوطنية والتنمية، لكن الحصيلة التي يراها السودانيون اليوم تختلف كثيرًا عن تلك الوعود. فبدلًا من ترسيخ دولة المواطنة والعدالة، هيمنت سياسات المحاصصة والولاءات الضيقة والمركزية المفرطة، مما أدى إلى شعور قطاعات واسعة من السودانيين بالتهميش والإقصاء، وأسهم في اتساع الفجوة بين المركز والأقاليم.

إن التمردات المسلحة التي شهدها السودان عبر العقود لم تكن أحداثًا معزولة، بل جاءت في سياق أزمات سياسية عميقة، حيث اندلعت الحروب في جنوب السودان سابقًا، ثم وجنوب كردفان/ جبال النوبة ، ودار فور والنيل الأزرق، كما تصاعدت الاحتجاجات والتوترات في شرق السودان. ورغم اختلاف أسباب كل صراع، فإن القاسم المشترك بينها كان فشل الدولة في بناء نظام سياسي يشعر فيه جميع المواطنين بالمساواة والعدالة.

ولم تتوقف آثار هذا الإخفاق عند حدود النزاعات، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي نفسه، حيث تعمقت الانقسامات، وازدادت الكراهية بين مكونات المجتمع، وتراجعت الثقة في مؤسسات الدولة. وانتهى الأمر بانفصال جنوب السودان، وهو الحدث الأكبر والأكثر إيلامًا في تاريخ السودان الحديث، والذي عكس حجم الأزمة التي عاشتها البلاد لعقود.

اقتصاديًا، تبدو الصورة أكثر قسوة. فقد شهد السودان تراجعًا مستمرًا في مؤسسات كانت يومًا مصدر فخر للأمة السودانية. أين السكة الحديد التي كانت من أكبر شبكات النقل في أفريقيا؟ وأين مشروع الجزيرة الذي كان أحد أكبر المشاريع الزراعية المروية في العالم وأسهم في جعل السودان مركزًا اقتصاديًا مهمًا خلال الحقبة الاستعمارية؟ وأين مؤسسة حلفا الزراعية، ومؤسسة جبال النوبة الزراعية، ومشروع خشم القربة، والنقل النهري، ومشاريع الاعاشة وغيرها من المشاريع والمؤسسات التي كانت تمثل ركائز الاقتصاد الوطني؟ لقد تعرض كثير من هذه المؤسسات للإهمال أو سوء الإدارة أو الخصخصة، حتى فقد السودان جزءًا كبيرًا من قدراته الإنتاجية.

وفي الوقت الذي كان السودان يتراجع عامًا بعد عام، كانت دول أفريقية أخرى تشق طريقها نحو التنمية. فدول مثل رواندا، وأوغندا، وكينيا، وتنزانيا، بل وحتى إثيوبيا رغم تحدياتها، استطاعت خلال العقود الماضية أن تنفذ مشاريع للبنية التحتية، وتجذب الاستثمارات، وتحسن أداء مؤسساتها بدرجات متفاوتة، بينما ظل السودان يدور في دائرة الأزمات والانقلابات والصراعات.

ولا يعني هذا النقد توجيه الاتهام إلى سكان شمال السودان أو إلى قبائله ومكوناته الاجتماعية، فالمسؤولية السياسية لا تُحمّل على أساس الانتماء الجغرافي أو القبلي، وإنما تقع على عاتق النخب التي امتلكت القرار وأدارت الدولة لعقود طويلة. فهناك فرق واضح بين شعبٍ بأكمله وبين الطبقة السياسية التي احتكرت السلطة وقررت مصير البلاد.

ورغم هذه الحصيلة الثقيلة، لا تزال بعض هذه النخب تقدم نفسها باعتبارها الأقدر على حكم السودان، وكأن سبعة عقود من الإخفاق لم تكن كافية لإعادة تقييم التجربة. والأسوأ أن ملايين السودانيين أصبحوا اليوم لاجئين ونازحين ومهاجرين في دول الجوار وأوروبا وأمريكا، بعد أن دفعتهم الحروب والانهيار الاقتصادي إلى مغادرة وطنهم بحثًا عن الأمن والكرامة، في حين يعيش كثير من أبناء أصحاب النفوذ خارج البلاد في ظروف أكثر استقرارًا.

إن مواجهة هذه الحقائق لا ينبغي أن تُفسَّر على أنها عنصرية أو استهداف لمنطقة بعينها، كما لا ينبغي اختزالها في اتهامات بالدونية أو الكراهية. فالنقد السياسي حق مشروع، والمحاسبة أساس أي دولة تسعى إلى المستقبل. وما يحتاجه السودان اليوم ليس إعادة إنتاج النخب ذاتها، وإنما بناء دولة تقوم على الكفاءة، وسيادة القانون، والعدالة، والمواطنة المتساوية، وتوزيع السلطة والثروة بصورة عادلة بين جميع أقاليمه.

لقد أثبتت التجربة أن احتكار السلطة لعقود طويلة، مهما كانت مبرراته، لا يصنع دولة مستقرة، بل يراكم الأزمات حتى تنفجر. والسودان اليوم يدفع ثمن تراكمات امتدت لعقود، الأمر الذي يجعل مراجعة تلك المرحلة بكل شجاعة وموضوعية ضرورة وطنية، لا رغبة في تصفية الحسابات مع الماضي، بل حتى لا يكرر المستقبل الأخطاء نفسها

ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن هذه النخب، وبعد كل ما آلت إليه البلاد، لم تُقدم مراجعة سياسية أو أخلاقية حقيقية لتجربتها في الحكم. ففي كثير من الدول، عندما تفشل الحكومات في حماية وحدة البلاد أو تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار، تتقدم القيادات بالاعتذار لشعوبها أو تنسحب من المشهد السياسي، إقرارًا بمسؤوليتها أمام التاريخ. أما في السودان، فقد ظل كثير من رموز السلطة يتبادلون الاتهامات، بينما بقي المواطن وحده يدفع ثمن الفشل.

لقد أُهدرت فرص تاريخية كان يمكن أن تجعل السودان في مصاف الدول الصاعدة. فهذا البلد يمتلك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، وثروات معدنية هائلة، وموارد مائية استثنائية، وموقعًا جغرافيًا يربط بين العالم العربي وأفريقيا. وكان من الممكن أن يكون مركزًا إقليميًا للإنتاج الزراعي والصناعي والتجارة، لكن سوء الإدارة، وغياب التخطيط، واستشراء الفساد، والصراعات السياسية المستمرة، حولت هذه الميزات إلى فرص ضائعة.

كما أن ثقافة احتكار السلطة أضعفت مؤسسات الدولة، فأصبحت المؤسسات تُدار في كثير من الأحيان وفق الولاءات السياسية أكثر من معايير الكفاءة والخبرة. وعندما تُقصى الكفاءات لصالح المحسوبية، تصبح الدولة عاجزة عن التخطيط والتنفيذ، وتفقد ثقة مواطنيها عامًا بعد عام.

ولم يكن الإعلام الرسمي، في فترات مختلفة، بعيدًا عن هذه الأزمة، إذ ساهم في صناعة صورة مثالية للسلطة بدلًا من ممارسة دوره في الرقابة والنقد. كما تعرضت مؤسسات العدالة والخدمة المدنية والتعليم العالي لتأثيرات الاستقطاب السياسي، وهو ما أضعف استقلاليتها وأثر في جودة أدائها، وانعكس في النهاية على الدولة بأكملها.

إن أخطر ما أنتجته عقود الحكم الطويلة ليس فقط الانهيار الاقتصادي أو الحروب، وإنما ترسيخ ثقافة سياسية تقوم على أن السلطة حق لفئة بعينها، وأن بقية السودانيين مجرد تابعين في معادلة الحكم. وهذه العقلية، مهما اختلفت الأحزاب أو تبدلت الوجوه، كانت سببًا في تعميق الشعور بالتهميش لدى كثير من الأقاليم، وأدت إلى اتساع الهوة بين الدولة والمجتمع.

إن المستقبل لن تصنعه النخب التي تتمسك بالماضي، ولا الخطابات التي تبرر الإخفاق، وإنما تصنعه إرادة وطنية جديدة تؤمن بأن السودان ملك لجميع أبنائه، وأن الكفاءة لا تُقاس بالانتماء الجغرافي أو القبلي، بل بالنزاهة والقدرة على الإنجاز.

لقد آن الأوان لأن يتوقف السودانيون عن تقديس الأشخاص، وأن يبدأوا في محاسبة التجارب. فلا أحد يجب أن يكون فوق النقد، ولا توجد نخبة تحتكر الحكمة أو الوطنية.

والتاريخ يعلمنا أن الدول التي تتقدم هي تلك التي تعترف بأخطائها وتتعلم منها، لا تلك التي تكرر الأخطاء نفسها ثم تنتظر نتائج مختلفة.

إن السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الوجوه ذاتها، ولا إلى تدوير النخب التي أدارت الدولة لعقود دون أن تحقق الاستقرار أو التنمية، بل يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة حديثة، تُبنى على الشراكة الحقيقية بين جميع السودانيين، دون تمييز أو إقصاء، ودون ادعاء بأن منطقة أو جماعة بعينها أحق من غيرها بقيادة الوطن.

فالأوطان لا تنهض بالهيمنة، وإنما بالعدالة. ولا تُبنى بالاحتكار، وإنما بالمشاركة. ولا يحميها السلاح بقدر ما تحميها الثقة بين الدولة ومواطنيها. وهذه هي الحقيقة التي تجاهلتها النخب السياسية الشمالية طويلًا، فكان الثمن وطنًا أنهكته الحروب، واقتصادًا دمرتة الأزمات، وشعبًا تفرق بين المنافي ومخيمات النزوح، وما يزال يحلم بوطن يستحقه ويستحق أن يعيش فيه بكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!