رأي

قمم.. حين تصنع السياسة الدولة: من إدارة الفراغ إلى هندسة المستقبل

محمود قطية المحامي

 

محمود قطية المحامي 

مؤسس ورئيس هيئة محامي كردفان 

في تاريخ الشعوب لحظاتٌ فارقة لا تُولد فيها المشاريع السياسية من رحم الرفاه، وإنما من قلب الأزمات الكبرى، حيث تتراجع مؤسسات الدولة وتتقدم الإرادة الوطنية لصناعة البدائل. ومن هذا المنطلق، جاء تحالف القوى المدنية المتحدة (قمم)، ليس بوصفه تنظيمًا سياسيًا تقليديًا، بل مشروعًا استراتيجيًا يستهدف إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإقامة سودان جديد يقوم على العدالة والمواطنة والتحول المدني الديمقراطي التعددي، ويعالج جذور الاختلالات التاريخية التي عانى منها الهامش السوداني لعقود طويلة.

ومع اندلاع الحرب وما صاحبها من انهيار مؤسسات الدولة في مناطق واسعة، لم يكتفِ التحالف بإطلاق المواقف السياسية، بل اتجه إلى بناء نموذج للإدارة المدنية يستند إلى رؤية مؤسسية متكاملة، تقوم على ثلاثة مسارات رئيسية: المسار الأمني، والمسار الإنساني، ومسار الخدمات. و أنها نجحت في توفير الحد الأدنى من الأمن والإدارة العامة واستمرار الخدمات الأساسية، في وقت كانت فيه السلطة التنفيذية غائبة عن أداء وظائفها.

ومن هذا المنظور، فأن تجربة الإدارات المدنية لم تكن استجابةً ظرفية فحسب، وإنما مثلت اللبنة الأولى في بناء مؤسسات الحكم التي تطورت لاحقًا في إطار “حكومة تأسيس”. كما أنها استلهمت خبرات دول شهدت نزاعات داخلية، حيث برزت إدارات مدنية محلية لتسيير شؤون السكان، مع اختلاف السياقات القانونية والسياسية بين كل تجربة وأخرى، كما في كوسوفو وبعض المناطق في سوريا وغيرها.

لقد قدمت “قمم” نموذجًا مختلفًا للعمل السياسي، يقوم على الانتقال من التنظير إلى الممارسة، ومن الخطاب إلى بناء المؤسسات، وهو ما أكسبها وزنًا سياسيًا متزايدًا في المشهد السوداني، ورسخ مكانتها باعتبارها أحد أهم الفاعلين في صياغة مستقبل البلاد. وان جميع الإدارات المدنية في مناطق حكومة تأسيس هي مولودا شرعيا ورصيدا سياسيا لقمم

وخلف هذا المشروع وقفت نخبة من القيادات والكوادر التي كرست وقتها وجهدها لصياغة رؤيته وبناء مؤسساته، وفي مقدمتهم الرفيق العزيز والرجل المهذب الأستاذ هارون محمود مديخير، والرفيق الصبور وأحد أعظم منظري المشروع الدكتور حذيفة أبو نوبة، والرفيق المناضل البطل الجسور الأستاذ حامد حمدين النويري، والرفيق الشفيف العفيف الدكتور مهدي دبكة، والبرلماني الضليع والسياسي المعتق الأستاذ صالح جمعة، والرفيق الخلوق الأستاذ موسى عثمان، والدينمو الرفيق البروفيسور نصر الدين احمد ادريس، إلى جانب عشرات القيادات و الكوادر والمناضلين الذين لم يتسع المقام لذكر أسمائهم، لكن بصماتهم ستظل حاضرة في مسيرة هذا المشروع.

إن التاريخ لا يخلد التنظيمات بسبب شعاراتها، وإنما بسبب قدرتها على تحويل الأفكار إلى مؤسسات، والرؤى إلى واقع. ومن هذا المنطلق، يرى أنصار “قمم” أن التحالف يمثل اليوم أحد أبرز المشاريع السياسية السودانية، وأن تجربته في الإدارة المدنية ستبقى محطة مهمة في دراسة تطور الحكم والإدارة خلال سنوات الحرب، وأن المستقبل وحده سيكون الفيصل في تقييم أثرها الحقيقي على بناء الدولة السودانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!