
الفج العميق : ألفا هاشم العبيد
تُعد البوابات العشوائية وغير الرسمية، المعروفة محلياً بالارتكازات أو نقاط الإتاوات على الطرق، واحدة من أخطر التشوهات الإدارية والاقتصادية والأمنية التي برزت في فترات النزاعات وضعف مؤسسات الدولة. ورغم أن البعض ينظر إليها باعتبارها أمراً واقعاً فرضته الظروف الاستثنائية، إلا أن آثارها السلبية تمتد إلى مجمل النشاط الاقتصادي وتنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين ومعيشتهم اليومية.
لقد تحولت هذه البوابات إلى عبء ثقيل على حركة التجارة والنقل، إذ تفرض رسوماً وجبايات متعددة على الشاحنات ووسائل النقل المختلفة دون سند قانوني أو لوائح مالية معتمدة. ونتيجة لذلك ترتفع تكاليف نقل السلع من مناطق الإنتاج إلى الأسواق، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة أسعار المنتجات الأساسية التي يتحمل المواطن البسيط عبئها الأكبر.
وفي تقديري، فإن معالجة هذه الظاهرة تتطلب فهماً واضحاً لطبيعتها الاقتصادية والإدارية، والإجابة أولاً عن سؤال جوهري: هل تستفيد الدولة فعلاً من الأموال التي تُجمع عبر هذه البوابات؟
الإجابة الواضحة هي أن الدولة لا تحقق أي عائد مالي حقيقي أو قانوني من هذه الممارسات. فالأموال التي تُحصّل في معظم هذه النقاط لا تدخل الخزينة العامة ولا تخضع للرقابة أو المراجعة المالية، بل تذهب في كثير من الأحيان إلى مجموعات مسلحة أو جهات محلية أو أفراد يستغلون غياب الرقابة لتحقيق مكاسب خاصة بعيداً عن الأطر القانونية المعروفة.
وتكمن الخطورة الأكبر في أن هذه البوابات تساهم بصورة مباشرة في تسرب الإيرادات العامة وخلق اقتصاد موازٍ خارج سيطرة الدولة. كما أنها تؤدي إلى إضعاف الثقة في المؤسسات الرسمية وتزيد من تعقيد بيئة الاستثمار والتجارة، الأمر الذي يدفع بعض التجار إلى تجنب الطرق الرسمية أو تقليص نشاطهم التجاري بسبب ارتفاع التكلفة والمخاطر.
ومن الآثار الاقتصادية الخطيرة أيضاً أنها تُغذي معدلات التضخم. فكل الرسوم والإتاوات التي تُفرض على الشاحنات يتم تحميلها على تكلفة السلع، سواء كانت مواد غذائية أو وقوداً أو مواد بناء أو أدوية. وبذلك يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف التي تدفع ثمن هذا الخلل الإداري والاقتصادي، بينما لا تجني الدولة أي فائدة حقيقية منه.
إن الإصلاح الإداري في هذا الملف لا يقتصر على إزالة البوابات العشوائية فحسب، بل يتطلب إعادة بناء منظومة التحصيل والإيرادات على أسس قانونية ومؤسسية واضحة. ويشمل ذلك حصر نقاط التحصيل الرسمية، وإلغاء جميع الجبايات غير القانونية، وتوحيد الرسوم الحكومية، وإدخال أنظمة رقابة ومراجعة مالية تضمن وصول الإيرادات إلى الخزينة العامة بصورة شفافة.
كما ينبغي تعزيز دور الأجهزة النظامية والإدارية في حماية الطرق وتأمين حركة التجارة دون التدخل في عمليات التحصيل المالي خارج الأطر القانونية. فالدولة القوية لا تُقاس بعدد الحواجز المنتشرة على الطرق، وإنما بقدرتها على تنظيم النشاط الاقتصادي وتحصيل الإيرادات وفق القانون مع ضمان انسياب حركة المواطنين والبضائع بأقل تكلفة ممكنة.
إن إزالة البوابات العشوائية ليست مجرد خطوة إدارية، بل تمثل جزءاً أساسياً من مشروع استعادة هيبة الدولة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. فكلما تقلصت الجبايات غير القانونية، انخفضت تكاليف النقل والإنتاج، وتحسنت حركة الأسواق، وازدادت ثقة المواطنين والمستثمرين في مؤسسات الدولة. ومن هنا فإن معالجة هذه الظاهرة يجب أن تكون ضمن أولويات أي برنامج إصلاح اقتصادي وإداري يسعى إلى بناء دولة حديثة تقوم على القانون والشفافية والعدالة في إدارة الموارد العامة.




