من جدة إلى بورتسودان: تحقيق إستقصائي يكشف شبكة دعم سعودي متكاملة للقوات المسلحة السودانية
التنوير: تقرير القسم السياسي

التنوير: تقرير القسم السياسي
كشف تحقيق إستقصائي أعده المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية GISS، ونُشر في 13 يوليو 2026 تحت عنوان: «من جدة إلى بورتسودان: رسم خريطة شبكة الدعم السعودي للقوات المسلحة السودانية»، عن شبكة مترابطة من التحركات السياسية والاقتصادية واللوجستية والعسكرية التي قال إنها أسهمت في تعزيز قدرات القوات المسلحة السودانية وتثبيت موقع سلطة بورتسودان طوال الحرب المستمرة منذ 15 أبريل 2023.
ولا يقدم التحقيق العلاقة بين الرياض وسلطة بورتسودان بوصفها مجرد تواصل دبلوماسي بين دولتين، بل يضعها داخل إطار أوسع يشمل رحلات جوية تنفيذية غير تجارية، ومسارات شحن بحرية، وعمليات شراء لمواد عسكرية ومتـفجرات، وتحركات مرتبطة بصفقات تسليح، إلى جانب تنسيق سياسي واقتصادي متصاعد مع قيادة القوات المسلحة السودانية.
ويؤكد المعهد أن نتائجه استندت إلى مراجعة سجلات التجارة الدولية، ووثائق النقل والشحن البحري، وبيانات تتبع حركة الطيران، وسجلات الشركات، ومسارات إعادة التصدير، والمعاملات المالية، إضافة إلى تقارير استخباراتية وصحفية متخصصة.
وبحسب التحقيق، فإن جمع هذه العناصر في سياق زمني واحد يكشف عن بنية دعم متعددة المستويات، عملت على تقوية القدرات العملياتية واللوجستية للقوات المسلحة السودانية، وساعدت سلطة بورتسودان على مواصلة الحرب، في الوقت الذي استمرت فيه السعودية في تقديم نفسها علناً بوصفها وسيطاً يسعى إلى وقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية.
الوساطة المعلنة والوقائع المتناقضة
منذ اندلاع الحرب، ظهرت السعودية بوصفها إحدى أبرز الدول المنخرطة في جهود الوساطة. فقد استضافت، بالتعاون مع الولايات المتحدة، محادثات جدة التي انتهت إلى إعلان يتعلق بحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، كما ظل خطاب الرياض الرسمي يركز على ضرورة وقف إطلاق النار، ورفض استمرار الحرب، ودعم عملية سياسية تعيد الاستقرار إلى السودان.
غير أن تحقيق المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية يرى أن الدور السعودي لم يبق محصوراً في الوساطة أو استضافة الاجتماعات، بل تطور تدريجياً إلى علاقة أكثر تعقيداً مع قيادة القوات المسلحة السودانية وسلطة بورتسودان.
ويقول التحقيق إن أنشطة متزامنة في المجالات الجوية والبحرية والعسكرية والتجارية وفرت دعماً مباشراً أو غير مباشر للبنية التي تعتمد عليها القوات المسلحة في إدارة عملياتها العسكرية. ويضيف أن هذا الدعم ساعد على توسيع قدرة سلطة بورتسودان على الصمود السياسي والاقتصادي والعسكري، بينما كانت فرص الحل السياسي تتراجع والأوضاع الإنسانية تتفاقم.
ويرى المعهد أن هذا التناقض بين خطاب الوساطة من جهة، ومسارات الدعم الموثقة من جهة أخرى، يثير أسئلة سياسية وقانونية بشأن حدود الدور السعودي، ومدى انسجامه مع الموقع الذي قدمت الرياض نفسها من خلاله بوصفها وسيطاً يفترض فيه الحفاظ على مسافة متساوية بين أطراف النزاع.
منهج التحقيق ومصادره الوثائقية
اعتمد التحقيق على منهج يقوم على عدم دراسة كل رحلة أو شحنة أو معاملة تجارية بوصفها واقعة منفصلة، بل وضع جميع التحركات في إطار زمني مترابط، بهدف تحديد ما إذا كانت تشكل نمطاً مستمراً أم مجرد أحداث عارضة.
وشملت المواد التي راجعها المعهد سجلات الرحلات الجوية للطائرات الخاصة والتنفيذية، وبيانات حركة السفن، وسجلات الاستيراد والتصدير، والرموز الجمركية للمواد المنقولة، وأسماء الشركات الموردة والمستوردة، وعلاقات بعض الشركات بمنظومة الصناعات الدفاعية السودانية.
كما استند إلى معلومات نشرها موقع إنتليجنس أونلاين بشأن نقل أنظمة مدفعية وتدريب عناصر سودانية على تشغيلها، إلى جانب تقارير تتعلق بصفقات أسلحة وتمويل محتمل، ولقاءات سياسية رفيعة المستوى بين مسؤولين سعوديين وقائد القوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان.
ويؤكد التحقيق أن القوة الأساسية في النتائج لا تكمن في واقعة واحدة، بل في تكرار مسارات الحركة وتزامنها مع تحولات سياسية وعسكرية مهمة، بما يشير، وفقاً للمعهد، إلى شبكة دعم منظمة وممتدة تتجاوز العلاقات الدبلوماسية الاعتيادية
جسر جوي خارج الرقابة
خصص التحقيق مساحة واسعة لما وصفه بالجسر الجوي الذي ربط الرياض ببورتسودان، مستنداً إلى بيانات تتبع أظهرت تكرار رحلات تنفيذية غير تجارية بين المدينتين.
وتكتسب بورتسودان أهمية خاصة باعتبارها المقر الفعلي لسلطة القوات المسلحة السودانية ومركز القيادة السياسية والإدارية والعسكرية التابعة لها خلال الحرب. ويشير التحقيق إلى أن الطائرات المستخدمة في الرحلات ليست جزءاً من خدمات النقل المدني المنتظم، وإنما طائرات خاصة تستعمل عادة لنقل كبار المسؤولين والوفود والأموال والوثائق والمعدات الحساسة.
وفي ديسمبر، نفذت طائرة من طراز غلف ستريم G550، تحمل التسجيل السعودي HZ-SK5، رحلة مباشرة من الرياض إلى بورتسودان. وبحسب التحقيق، تتولى تشغيل الطائرة شركتا ألفا ستار لخدمات الطيران وسكاي برايم للطيران، وهما شركتان سعوديتان تعملان في مجال الطيران التنفيذي وتشغيل الرحلات الخاصة.
ويرى المعهد أن أهمية الرحلة لا ترتبط فقط بمسارها، بل بطبيعة الطائرة وتوقيت الرحلة. فطائرات غلف ستريم تتيح تنفيذ مهام سريعة ومرنة بعيداً عن جداول الطيران التجاري، وتوفر قدراً عالياً من السرية والقدرة على نقل ركاب رفيعي المستوى أو شحنات حساسة.
رحلات متكررة ورسائل سياسية
بعد أقل من أسبوعين من رحلة الطائرة السعودية، نفذت طائرة من طراز ميتسوبيشي CRJ-200LR تابعة لشركة بدر للطيران، وتحمل التسجيل ST-BAT، رحلة من بورتسودان إلى الرياض.
ويشير التحقيق إلى أن هذه الطائرة سبق أن استُخدمت في نقل مسؤولين كبار مرتبطين بسلطة بورتسودان، ما يدعم فرضية وجود قناة اتصال منتظمة بين الرياض والقيادة العسكرية السودانية، بدلاً من كون الرحلات أحداثاً بروتوكولية متفرقة.
وفي صباح 7 يناير، أقلعت طائرة من طراز غلف ستريم G450 تشغلها شركة ألفا ستار وتحمل التسجيل السعودي HZ-A22، في رحلة مباشرة من الرياض إلى بورتسودان.
وبحسب متخصصين في متابعة حركة الطيران استند إليهم التحقيق، يستخدم هذا النوع من الطائرات في نقل كبار المسؤولين، والأصول المالية، والوثائق الحساسة، والمواد التي تحتاج إلى مرونة تشغيلية وسرية عالية.
وفي 14 فبراير، نفذت طائرة سيسنا 680A سايتيشن لاتيتيود، المسجلة بالرمز HZ-A26 والتابعة لألفا ستار، رحلة مباشرة أخرى من الرياض إلى بورتسودان. وجاءت الرحلة بعد يوم واحد من تقرير نشره إنتليجنس أونلاين بشأن نقل أنظمة مدفعية سعودية إلى القوات المسلحة السودانية.
وفي 22 يونيو، غادرت طائرة بومباردييه غلوبال 5000 تحمل التسجيل TC-RMS وتشغلها شركة بون إير هافاجيليك، الرياض متجهة إلى الخرطوم، بعدما كانت قد وصلت إلى السعودية قادمة من إسطنبول في 20 يونيو.
كما رُصدت الطائرة HZ-SK5 لاحقاً وهي تنفذ رحلة مباشرة أخرى من الرياض إلى بورتسودان، قبل أن تعود إلى العاصمة السعودية بعد توقف أرضي لم يتجاوز أربع ساعات.
ويعتبر التحقيق أن قصر مدة التوقف يشير إلى مهمة سريعة ومحددة، وليس إلى رحلة تجارية اعتيادية. كما يرى أن تكرار استخدام الطائرات نفسها وفي أوقات متقاربة يعزز فرضية وجود ممر جوي مستمر لنقل مسؤولين أو موارد مالية أو دعم فني أو أصول حساسة.
المدفعية تنقل الدعم عسكرياً
يرى تحقيق المعهد أن التحول الأبرز في طبيعة العلاقة حدث في فبراير 2026، عندما انتقل الدعم، وفق المعلومات المنشورة، من قنوات سياسية ولوجستية إلى مساعدة عسكرية مباشرة.
ففي 13 فبراير 2026، نشر موقع إنتليجنس أونلاين تقريراً أفاد بأن السعودية نقلت ثلاث بطاريات من مدافع الهاوتزر M777 عيار 155 ملم إلى القوات المسلحة السودانية، إلى جانب كميات كبيرة من الذخائر المتوافقة معها.
وذكر التقرير أن فريقه راجع وثائق وصوراً ومواد مصورة تظهر أنظمة المدفعية أثناء استخدامها داخل السودان. كما استند إلى مصادر استخباراتية قالت إن أفراداً من سلاح المدفعية السوداني تلقوا تدريباً على تشغيل هذه الأنظمة.
وتعد مدافع M777 من أنظمة المدفعية المقطورة المتطورة، وقد طورت في الولايات المتحدة وتصنعها شركة BAE Systems. وبرز استخدامها عالمياً بصورة واسعة خلال الحرب في أوكرانيا، لما تتمتع به من خفة نسبية ودقة وقدرة على الحركة والعمل في ساحات متعددة.
وبحسب التحقيق، تمتلك السعودية أكثر من مائة مدفع من هذا الطراز، ولذلك فإن نقل ثلاث بطاريات كاملة، إذا ثبت بصورة قاطعة، يمثل تحولاً نوعياً في مستوى الدعم العسكري المقدم إلى القوات المسلحة السودانية.
ويشير المعهد إلى أن هذه الشحنة لا ينبغي النظر إليها بوصفها صفقة منفصلة، بل كجزء من نمط دعم أشمل يشمل الذخيرة والتدريب والتنسيق اللوجستي وطرق التسليم.
تدريب وتسليح عبر بورتسودان
لم يقتصر الدعم المزعوم على تسليم أنظمة المدفعية، بل شمل، وفق المعلومات التي أوردها التحقيق، برامج تدريبية للعناصر المكلفة بتشغيلها.
وتضمنت التدريبات تشغيل الأنظمة، والتحكم في النيران، وإجراءات السلامة، بما يسمح بدمج المدافع في البنية العملياتية للقوات المسلحة السودانية واستخدامها بكفاءة في جبهات القتال.
ونقل إنتليجنس أونلاين عن مصادر أمنية أن المدافع وذخائرها دخلت السودان عبر ميناء بورتسودان، باعتباره البوابة البحرية الرئيسية الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة.
وبحسب المصادر، جرى اختيار الميناء لتسهيل تفريغ الأسلحة، وتخزينها مؤقتاً، ثم توزيعها على جبهات العمليات، مع تقليل احتمال تعرضها للاعتراض أو الهجوم خلال النقل.
وتذهب المعلومات التي أوردها التحقيق إلى أن التنسيق اللوجستي للعملية جرى عبر قنوات مرتبطة بالاستخبارات العسكرية السعودية، بالتعاون مع نظرائها داخل القوات المسلحة السودانية.
ويقول المعهد إن الترتيبات هدفت، وفقاً للمعلومات المنشورة، إلى المحافظة على سرية سلسلة التوريد، وتقليل إمكانية تتبع الشحنات أو نسبها رسمياً إلى الرياض، وضمان وصولها إلى الوحدات العسكرية المحددة.
وبهذا المعنى، تصبح الرحلات الجوية المتكررة، وحركة الموانئ، والتدريب، ونقل الذخائر، أجزاء مترابطة من بنية مساعدة عسكرية وليست مجرد تحركات دبلوماسية منفصلة.
لواء البراء في قلب المشهد
يضع التحقيق لواء البراء بن مالك ضمن التشكيلات المستفيدة من أي دعم يوجه إلى القوات المسلحة السودانية، بحكم مشاركته إلى جانبها في عدد من جبهات الحرب وتنفيذه عمليات مشتركة معها.
ويصف المعهد اللواء بأنه أحد أبرز التشكيلات المسلحة المتحالفة مع القوات المسلحة خلال النزاع، ويربط بين تعزيز قدرات الجيش وبين استفادة الجماعات المقاتلة إلى جانبه من الموارد والتدريب والتغطية اللوجستية.
ووفق النص الذي استند إليه التقرير، صنفت الولايات المتحدة لواء البراء بن مالك، في 16 مارس 2026، منظمة إرهابية أجنبية، على خلفية اتهامات تتعلق بأعمال عنف ضد المدنيين، وعمليات إعدام ميدانية، ومحاولات تقويض مبادرات التسوية السياسية، إضافة إلى تقارير عن تلقي بعض أفراده دعماً وتدريباً من الحرس الثوري الإيراني.
ومن هذا المنطلق، يرى التحقيق أن أي دعم سياسي أو مالي أو لوجستي أو عسكري يقدم إلى القوات المسلحة السودانية قد يعزز بصورة غير مباشرة قدرة الجماعات المسلحة التي تخوض معها عمليات مشتركة.
ويثير ذلك، وفق المعهد، إشكالات سياسية وقانونية، ولا سيما عندما تكون بعض هذه التشكيلات مدرجة في قوائم الإرهاب أو متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة.
ويشدد التحقيق على أن تقييم المسؤولية لا يتعلق فقط بالجهة التي تتسلم المعدات أو التمويل بصورة رسمية، بل يمتد إلى الجهات التي قد تستفيد عملياتياً من الدعم داخل بنية عسكرية مشتركة أو مترابطة.
جدة ممراً للمواد الحساسة
لم تتوقف شبكة الدعم التي تحدث عنها التحقيق عند الرحلات الجوية وأنظمة المدفعية، بل امتدت إلى مسارات الشحن البحري التي مرت عبر الموانئ السعودية قبل وصولها إلى السودان.
ويقول المعهد إن سجلات التجارة والشحن تظهر أن السعودية أدت دور محطة عبور لوجستية لمواد حساسة وصلت لاحقاً إلى شركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية السودانية.
وفي منتصف عام 2024، استوردت شركة هندسة الموانئ السودانية سبع عشرة أسطوانة من غاز الكلور من شركة Chemtrade International Corp الهندية.
وبدلاً من انتقال الشحنة مباشرة من الهند إلى السودان، مرت عبر السعودية، وتحديداً ميناء جدة الإسلامي، قبل أن تصل إلى ميناء بورتسودان.
ويؤكد التحقيق أن عبور الشحنة عبر الأراضي أو الموانئ السعودية لا يثبت وحده علم السلطات السعودية بالغرض النهائي منها، لكنه يكشف أن جدة كانت جزءاً من سلسلة النقل التي أوصلت المادة إلى شركة مرتبطة بالقوات المسلحة السودانية.
وتكتسب هوية الجهة المستوردة أهمية كبيرة في تقييم الشحنة. فبحسب التحقيق، لا تعمل شركة هندسة الموانئ باعتبارها شركة تجارية مستقلة تماماً، وإنما ضمن شبكة اقتصادية ولوجستية مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، ويرأسها ضابط في الخدمة بالقوات المسلحة.
وبذلك أصبحت الشركة، وفق المعهد، جزءاً من منظومة الشراء والتخزين والتوزيع التي تعتمد عليها المؤسسة العسكرية.
شحنة الكلور ومسارها المثير
بعد وصول شحنة أسطوانات الكلور إلى ميناء بورتسودان، دخلت، وفق التحقيق، شبكة النقل والتوزيع الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية.
ويقول المعهد إن الشحنة أُفرغت وخُزنت، ثم أعيد توزيعها عبر قنوات لوجستية عسكرية إلى عدد من المواقع داخل البلاد، دون رقابة مستقلة تكشف وجهتها النهائية أو كيفية استخدامها.
ويضيف أن أسطوانات الكلور نفسها ظهرت لاحقاً داخل السودان، وسط مزاعم باستخدامها من القوات المسلحة في هجوم كيميائي بمنطقة مصفاة الجيلي، التي شهدت عمليات عسكرية عنيفة.
وقد دفع ظهور هذه الأسطوانات في سياق العمليات العسكرية محققين وخبراء مستقلين إلى إعادة تتبع مسار الشحنة، بداية من مغادرتها الهند، مروراً بميناء جدة، وحتى وصولها إلى بورتسودان والجهات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية.
وكان الهدف من هذا التتبع، وفق التحقيق، تحديد الجهات التي شاركت في تسهيل النقل، وفهم سلسلة الإمداد، ومعرفة كيف وصلت المواد إلى جهات يمكنها إدخالها ضمن شبكات لوجستية عسكرية.
ويحرص المعهد على التمييز بين إثبات مرور المواد عبر السعودية وبين إثبات علم السلطات السعودية بطريقة استخدامها النهائي. لكنه يرى أن موقع جدة في سلسلة النقل يمثل جزءاً مهماً من الصورة العامة المتعلقة بالممرات التي حافظت على تدفق المواد الحساسة إلى بورتسودان.
وعند وضع شحنة الكلور إلى جانب الرحلات التنفيذية وعمليات نقل المدفعية والمعاملات المالية والشحنات التجارية الأخرى، يعتبرها التحقيق مؤشراً إضافياً على وجود بنية لوجستية متعددة القنوات دعمت قدرة القوات المسلحة على مواصلة الحرب.
شبكة المتفجرات متعددة الموردين
تناول التحقيق كذلك شبكة توريد المتفجرات والمواد المستخدمة في صناعة الذخائر والعبوات، معتبراً أنها واحدة من أكثر مكونات الإمداد العسكري حساسية.
وأظهرت سجلات التجارة الدولية التي راجعها المعهد أن النظام لم يعتمد على مورد واحد أو شحنات عرضية، بل عمل عبر منظومة شراء متكاملة استمرت سنوات وربطت شركات دولية بجهات تابعة أو مرتبطة بمنظومة الصناعات الدفاعية السودانية.
ويشير التحقيق إلى أن شركة تارغت للأنشطة المتعددة TMAC تعمل ضمن شبكة الشركات الخاضعة لمنظومة الصناعات الدفاعية، من خلال مجموعة جياد الصناعية.
ويضع هذا الارتباط الشركة داخل البنية الاقتصادية والصناعية التي تعتمد عليها القوات المسلحة السودانية لتأمين مواد تدخل في تصنيع الذخائر والمتفجرات.
وبحسب السجلات، لم تكن TMAC مجرد مستورد تجاري عادي، وإنما أدت دوراً في دعم سلسلة شراء وإمداد مرتبطة بالمؤسسة العسكرية.
وتظهر البيانات أن شركة SBL Energy Limited الهندية أصبحت، منذ عام 2024، المورد الرئيسي للشبكة، ونفذت أكثر من مائتي شحنة من المتفجرات والمواد المرتبطة بها لصالح TMAC.
كما تشير قواعد البيانات التي استشهد بها التحقيق إلى أن الشركة الهندية نفذت 314 شحنة من أصل 477 شحنة مسجلة كانت متجهة إلى الشركة السودانية.
ويرى المعهد أن هذا العدد يعكس علاقة تجارية مستقرة وممتدة، ضمنت استمرار تدفق المواد الضرورية للإنتاج العسكري خلال الحرب.
الصناعات الدفاعية وسلاسل الإمداد
لم تعتمد شبكة التوريد على شركة هندية واحدة. فقد وثق التحقيق 147 شحنة إضافية نفذتها شركة IDL Explosives Ltd، وثماني شحنات نفذتها Ashoka Manufacturing Ltd، وشحنتين نفذتهما CDET Explosive Industries Ltd.
ويقول المعهد إن تعدد الموردين يكشف عن شبكة مصممة لتقليل الاعتماد على قناة واحدة، وضمان استمرار وصول المواد حتى في حال تعطل أحد المسارات أو توقف أحد الموردين.
وفي 23 يناير 2026، استوردت TMAC شحنة جديدة من المواد المتفجرة المصنفة تحت الرمز الجمركي HS Code 36020010، وشملت منتجات Neo Gel 901 وNeo Prime بأحجام متعددة.
وغادرت الشحنة ميناء كوتشي في الهند متجهة إلى السودان، لكنها لم تسلك مساراً مباشراً، بل عبرت ميناء جدة الإسلامي قبل أن تواصل رحلتها عبر البحر الأحمر إلى بورتسودان.
ويعتبر التحقيق أن استخدام ميناء جدة جزء أساسي من سلسلة الإمداد، وليس تفصيلاً ثانوياً، لأنه أتاح عبور المواد إلى شبكة الشركات المرتبطة بالصناعات الدفاعية السودانية.
وعند وصول الشحنات إلى بورتسودان، دخلت، بحسب المعهد، شبكات النقل والتخزين التي تسيطر عليها القوات المسلحة، ومنها جرى توزيعها على شركات ومنشآت تابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية.
وساعدت هذه المواد على استمرار إنتاج الذخائر والعتاد في وقت كانت فيه العمليات العسكرية تتوسع في عدد من الجبهات.
ويخلص التحقيق إلى أن أهمية هذه الشبكة تتجاوز تجارة المتفجرات في شكلها المباشر، لأنها وفرت المواد الخام التي تحتاج إليها البنية الصناعية العسكرية لمواصلة الإنتاج، وبالتالي أصبحت جزءاً مركزياً من منظومة استدامة الحرب.
من الوساطة إلى الشراكة
إلى جانب القنوات العسكرية واللوجستية، يرصد التحقيق تحولاً متسارعاً في العلاقة السياسية والاقتصادية بين السعودية وسلطة بورتسودان.
وفي 20 أبريل 2026، استقبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قائد القوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان في جدة.
وجرى اللقاء في وقت كانت فيه تقارير استخباراتية تتحدث عن ترتيبات لإبرام صفقة أسلحة باكستانية بقيمة 1.5 مليار دولار لصالح القوات المسلحة السودانية، وسط معلومات تفيد بأن السعودية كانت تدرس تمويل الصفقة أو تقديم دعم لها.
ويرى المعهد أن الاجتماع تجاوز حدود اللقاء الدبلوماسي الاعتيادي، وشكل جزءاً من سلسلة تحركات ساعدت في تعزيز الموقع الإقليمي لسلطة بورتسودان، ورسخت السعودية بوصفها أحد أكثر شركائها الخارجيين تأثيراً.
وبعد أسابيع، أعلن الجانبان التحضير لإطلاق مجلس تعاون استراتيجي سعودي سوداني، بما يشير إلى انتقال العلاقة من إدارة الأزمة والوساطة إلى شراكة مؤسسية طويلة الأمد.
ولم تعد العلاقة، وفق التحقيق، تقتصر على ملف الحرب أو الاتصالات السياسية، بل امتدت إلى مجالات الاقتصاد والأمن والاستثمار وإعادة الإعمار.
وتزامن ذلك مع منح شركات سعودية فرصاً وامتيازات تفضيلية في مشروعات مستقبلية تشمل الموانئ والطاقة والزراعة والنقل والبنية التحتية وإعادة الإعمار.
ويعتبر التحقيق أن هذه المصالح الاقتصادية طويلة الأمد تداخلت مع الدعم السياسي لسلطة بورتسودان، بما يمنح الرياض قدرة متزايدة على التأثير في شكل الترتيبات السياسية والاقتصادية التي قد تظهر في السودان بعد الحرب.
أسئلة المسؤولية والمآلات الإقليمية
ينتهي تحقيق المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية إلى أن العلاقة بين الرياض وسلطة بورتسودان لم تعد، وفق الأدلة التي جمعها، علاقة سياسية تقليدية أو وساطة محايدة، بل تحولت إلى شبكة دعم متكاملة تستخدم أدوات سياسية واقتصادية ولوجستية وعسكرية.
فقد تزامنت الرحلات الجوية التنفيذية مع تحركات سياسية رفيعة المستوى، وظهرت مسارات بحرية تمر عبر جدة، ووصلت مواد حساسة ومتفجرات إلى شركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، بالتوازي مع تقارير عن مدافع M777 وذخائر وتدريب عسكري وصفقات تسليح محتملة.
ويقول التحقيق إن هذه العناصر عززت قدرة القوات المسلحة السودانية على مواصلة عملياتها، ورسخت موقع سلطة بورتسودان، كما أفادت التشكيلات المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش، بما في ذلك لواء البراء بن مالك.
لكن التقرير يثير في الوقت نفسه أسئلة معقدة بشأن المسؤولية القانونية والسياسية للدول التي تقدم الدعم إلى أطراف النزاعات المسلحة، خاصة إذا كانت القوات أو الجماعات المستفيدة متهمة بارتكاب انتهاكات أو مصنفة ضمن قوائم الإرهاب.
كما يطرح تساؤلات بشأن حدود مسؤولية دولة العبور عندما تستخدم موانئها أو شركاتها أو مجالها اللوجستي في نقل مواد تصل إلى شبكات عسكرية، حتى في الحالات التي لا يتوافر فيها دليل مباشر على معرفة السلطات بالاستخدام النهائي.
وتتضاعف خطورة هذه الأسئلة في ظل الأزمة الإنسانية السودانية، واستمرار الحرب، وتراجع فرص التسوية السياسية، واتساع تأثير النزاع على البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
فأي شبكة دعم خارجي تسهم في تقوية طرف عسكري وتمكينه من إطالة أمد العمليات لا تنعكس فقط على ميزان القوى داخل السودان، بل تؤثر كذلك في الأمن الإقليمي، وحركة التجارة، والموانئ، والهجرة، والاستقرار السياسي في الدول المجاورة.
ويقدم التحقيق، في خلاصته، صورة لسعودية تجمع بين موقعين متناقضين: وسيط يعلن السعي إلى وقف الحرب، وشريك متنامٍ لسلطة بورتسودان عبر علاقات سياسية واقتصادية ولوجستية وعسكرية.
ومع أن بعض الأدلة الواردة تحتاج إلى تحقيقات مستقلة إضافية لإثبات المسؤوليات النهائية، فإن المعهد يرى أن تكرار الرحلات، وتعدد الشحنات، وترابط الشركات، وتزامن التحركات العسكرية مع اللقاءات السياسية، كلها عناصر يصعب التعامل معها كوقائع منفصلة أو مصادفات غير ذات صلة.
وبذلك يفتح تحقيق المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية ملفاً بالغ الحساسية بشأن الدور السعودي في الحرب السودانية، ويضع العلاقة بين جدة وبورتسودان تحت مجهر المساءلة السياسية والقانونية، في وقت يبحث فيه السودانيون عن وقف للحرب، وضمانات لحماية المدنيين، ومسار سياسي لا تتحكم فيه صفقات السلاح وشبكات المصالح الإقليمية.




