
عبدالعزيز بخات المحامي
ليست المأساة الكبرى في السودان هي عدد القتلى الذين تسقطهم الحرب كل يوم، ولا حجم المدن التي تحولت إلى أنقاض، ولا حتى الملايين الذين شردتهم المأساة داخل البلاد وخارجها. المأساة الأخطر تكمن في ذلك السم البطيء الذي يتسلل إلى الوعي الجمعي ويعيد تشكيل العلاقات بين أبناء الوطن الواحد على أساس الخوف والعداء والانتقام. إنه خطاب الكراهية؛ السلاح الأكثر فتكاً والأطول عمراً والأصعب علاجاً.
لقد عرف السودان نفسه عبر تاريخه بوصفه وطناً واسعاً يتسع للجميع. وطن تشكلت هويته من تنوعه، وتماسك نسيجه الاجتماعي رغم اختلاف الأعراق والثقافات واللغات واللهجات. كان الناس يختلفون في كل شيء تقريباً، لكنهم يتفقون على حقيقة واحدة: أن السودان بيت يتسع لأبنائه جميعاً.
غير أن الحرب لم تكتف بتدمير المدن والقرى والبنية التحتية، بل أطلقت عملية تدمير أكثر خطورة استهدفت الإنسان السوداني نفسه. فمع اتساع دائرة العنف، برز خطاب يسعى إلى تحويل التنوع إلى لعنة، والاختلاف إلى خصومة، والانتماء الطبيعي إلى تهمة جاهزة.
بدأ الأمر بكلمات، ثم تحول إلى حملات تحريض، ثم إلى محاولات منظمة لإعادة تعريف المواطنين وفق قوالب ضيقة تختزل الإنسان في قبيلته أو منطقته أو لونه أو لهجته. وهكذا تحولت الهوية من مصدر ثراء إلى أداة فرز، ومن عامل للتعارف إلى مبرر للإقصاء والاستهداف.
هذه ليست مجرد أزمة أخلاقية، بل كارثة وطنية مكتملة الأركان.
فالرصاص يقتل فرداً أو مجموعة من الأفراد، لكن خطاب الكراهية يقتل فكرة العيش المشترك نفسها. الرصاصة تدمر جسداً، أما الكراهية فتدمر مجتمعاً بأكمله. الرصاصة تنتهي بانتهاء صوتها، أما الكراهية فتظل تتناسل داخل العقول جيلاً بعد جيل، حتى تصبح جزءاً من الثقافة العامة ومن طريقة الناس في النظر إلى بعضهم البعض.
ولهذا السبب كانت المجتمعات التي مزقتها الكراهية أكثر المجتمعات معاناة بعد انتهاء الحروب. فإعادة بناء المنازل والجسور ممكنة، أما إعادة بناء الثقة بين البشر فتحتاج سنوات طويلة وربما أجيالاً كاملة.
لقد أفرزت الحرب السودانية واقعاً قاسياً دفع ملايين المواطنين إلى النزوح واللجوء وفقدان مصادر رزقهم وأمنهم واستقرارهم. لكن الألم لم يميز بين قبيلة وأخرى أو جهة وأخرى. الجوع أصاب الجميع، والخوف أصاب الجميع، والفقد أصاب الجميع. ولذلك فإن محاولة تصوير المعاناة وكأنها تخص جماعة دون أخرى ليست سوى تزوير للواقع وخدمة مجانية لاستمرار الحرب.
إن أخطر ما يفعله خطاب الكراهية أنه يمنح الحرب أسباباً جديدة للبقاء. فكل كلمة تحريض تخلق جداراً جديداً بين السودانيين، وكل خطاب عنصري يضيف عقبة جديدة أمام أي مشروع للسلام، وكل محاولة لتعميم المسؤولية الجماعية تدفع المجتمع خطوة إضافية نحو الانقسام الدائم.
ولا توجد أمة يمكن أن تنهض بهذا المنطق.
فالمسؤولية الجنائية مسؤولية فردية، والعدالة لا تُبنى على الانتقام الجماعي، والدولة لا تُدار بمنطق الثأر الاجتماعي. وكل تجربة تاريخية حاولت معاقبة جماعات كاملة بسبب أفعال أفراد انتهت إلى كوارث أكبر من الجريمة الأصلية نفسها.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست سوداء بالكامل.
فرغم كل هذا الخراب، ما زال السودان يقدم يومياً نماذج مضيئة تؤكد أن المجتمع أقوى من دعاة الكراهية. أسر استضافت نازحين لا تعرف أسماءهم، وأطباء عالجوا مصابين دون سؤال عن انتماءاتهم، وشباب تقاسموا الغذاء والمأوى مع غرباء فقدوا كل شيء. هذه المشاهد ليست استثناءات عابرة، بل هي التعبير الحقيقي عن جوهر السودان الذي عجزت الحرب عن قتله.
إن معركة السودان الحقيقية لم تعد فقط معركة وقف إطلاق النار، بل معركة استعادة الإنسان السوداني من قبضة الكراهية. فسلام بلا مصالحة اجتماعية هش، ومصالحة بلا عدالة ناقصة، وعدالة بلا اعتراف متبادل بالإنسانية مستحيلة.
ولهذا فإن حماية السودان تبدأ من حماية اللغة التي يتخاطب بها السودانيون مع بعضهم البعض. تبدأ من رفض التحريض والعنصرية والتنميط الجماعي، ومن الدفاع عن حق كل مواطن في أن يُعامل باعتباره إنساناً كاملاً لا ممثلاً لهوية ضيقة أو تصنيف مسبق.
إن الأوطان لا تسقط فقط تحت القصف، بل تسقط أيضاً عندما يقتنع أبناؤها بأنهم غرباء عن بعضهم البعض.
والسودان اليوم لا يحتاج إلى المزيد من البنادق بقدر ما يحتاج إلى هزيمة الكراهية نفسها. لأن الرصاصة قد تقتل إنساناً، أما الكراهية فتقتل وطناً كاملاً. وعندما يُقتل الوطن في النفوس، يصبح ترميم الخراب أصعب من كل الحروب.
لهذا تبقى الحقيقة الأكثر قسوة والأكثر وضوحاً: الكراهية ليست مجرد نتيجة للحرب، بل هي الحرب نفسها في صورتها الأكثر بشاعة واستدامة. وإذا لم تُهزم، فلن ينتصر السودان مهما توقفت المعارك ومهما صمتت المدافع.




