رأي

جذور الأزمة السودانية: من أزمة الهوية إلى صراع السلطة

دكتور: دقاش حسب الله دقاش

  

دكتور: دقاش حسب الله دقاش

لم تكن أزمة السودان الراهنة وليدة انفجار مسلح عابر أو انقلاب مفاجئ، إنما هي حصيلة تراكم تاريخي بدأ مع لحظة التأسيس الناقصة للدولة الوطنية واستمر عبر عقود من المحاولات المتعثرة لبناء عقد اجتماعي جامع. ويمكن اختزال معادلة الأزمة اليوم في عاملين متداخلين هما أزمة هوية لم تُحسم وأزمة سلطة لم تُقنّن، حيث أنتج الأول شعوراً واسعاً بالتهميش والإقصاء بينما حول الثاني هذا الشعور إلى صراع مفتوح على الموارد والنفوذ. ومن هنا تنطلق هذه الورقة لتتابع مسار الأزمة منذ الاستقلال حتى العام 2023 بغرض فهم أسباب التعثر المتكرر واستخلاص شروط المخرج.

لقد ورثت النخبة الحاكمة عند الاستقلال في عام 1956 دولة رسمت حدودها الإدارة الاستعمارية، دون أن ترث تصوراً متفقاً عليه لهوية  الدولة، فظل السؤال معلقاً حول ما إذا كان السودان دولة عربية خالصة أم إفريقية أم إسلامية أم هي كياناً تعددياً يحتاج إلى صيغة فيدرالية تحفظ خصوصيات مكوناته. وبدلاً من إدارة هذا السؤال عبر حوار وطني شامل، اختارت الحكومات المتعاقبة فرض نموذج مركزي أحادي ربط الهوية السودانية باللغة العربية والدين الإسلامي والثقافة النيلية، الشئ الذي أدى إلى إقصاء تلقائي لشعوب الهامش في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وشرق السودان وعندها برز شعور قوي لدى  هذه المكونات بأنها غريبة في وطنها. ونتيجة لذلك اندلعت تمردات مسلحة منذ ستينيات القرن الماضي بدءاً بحركة أنانيا في الجنوب ثم اتساع دائرة التمرد لتشمل دارفور وجبال النوبة لاحقاً. ولم تكن هذه الحركات في بداياتها تطالب بالانفصال بقدر ما كانت تطالب  بالاعتراف والتوزيع العادل للسلطة والثروة، غير أن إصرار المركز على نفي التعددية حول المطالب الحقوقية قاد إلى نزاعات وجودية أنهكت البلاد وأدمت نسيجها الاجتماعي.

ومع فشل معالجة سؤال الهوية انتقلت الأزمة إلى مستوى أخطر تمثل في صراع النخب على السلطة، فتحولت الدولة من أداة لخدمة المواطن إلى غنيمة تقتسمها المجموعات المتنفذة وقد طبعت هذه المرحلة ثلاث سمات متلازمة أولى هذه المتلازمات أنه  لم تهدأ دورة الانقلابات منذ العام 1958، إذ كان كل فشل مدني يبرر تدخلاً عسكرياً وكل تدخل عسكري ينتج فشلاً أسوأ، فتشكلت على إثر ذلك دولة عميقة تديرها أجهزة أمنية لا تخضع للمحاسبة ولا ترى في المواطن سوى رقماً في معادلة السيطرة. ثانياً جعل استمرار النزاعات من الحرب مورداً اقتصادياً لفئات محددة، فصارت تجارة السلاح وتهريب الموارد والسيطرة على مناطق التعدين حوافز هيكلية لإدامة الصراع بدلاً عن حله. ثالثاً: استُغل الدين والقومية العربية تارة والشعارات الثورية تارة أخرى كأداة لتعبئة اجتماعية تخدم صراع النخب، فتحول المواطن العادي إلى وقود في معركة لا يملك فيها قراراً ولا يناله منها نفعاً.

وفي هذا السياق مثلت ثورة ديسمبر 2019 لحظة فارقة، إذ خرج السودانيون بشعار موحد ( حرية سلام وعدالة) وهو شعار تجاوز سؤال الهوية الضيق ودعا إلى دولة مواطنة تقوم على المساواة. غير أن الانتقال المدني تعثر بسبب غياب  الإرادة الحقيقية لدى المكون العسكري للتخلي عن الامتيازات الاقتصادية والسياسية، وبسبب تشتت القوى المدنية وعجزها عن تقديم مشروع جامع يتجاوز منطق المحاصصة. وبذلك تحولت الثورة من فرصة لإعادة تعريف الدولة إلى جولة جديدة من صراع السلطة وانتهت بحرب الخامس عشر من أبريل 2023 التي أعادت البلاد إلى مربع الدمار.

فإذا كانت الأزمة تبدأ  بالهوية وتنتهي  عند السلطة فإن الحل يجب أن يسير في الاتجاه المعاكس، وذلك بتقنين السلطة أولاً ثم إعادة تعريف الهوية. فلا معنى للحديث عن دستور أو هوية في ظل الرصاص، ومن ثم فإن الأولوية تكمن في وقف إطلاق نار دائم يقود إلى آلية عدالة انتقالية تعالج جراح الماضي وتعيد الاعتبار لضحايا الحروب في الجنوب ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق. كما أن السودان ليس عربياً خالصا ولا إفريقياً  كاملا بل هو سوداني بكل ألوانه، مما يقتضي دستوراً توافقياً ونظاماً فيدرالياً حقيقياً يمنح الأقاليم سلطة على الأرض والموارد والثقافة، إلى جانب إصلاح المؤسسة الأمنية وبناء جيش قومي مهني بعيد عن الاقتصاد والسياسة. ولا يمكن علاج جذور التهميش إلا بمشروع اقتصادي جاد يستثمر في التعليم والصحة والبنية التحتية في مناطق الهامش ليعيد الثقة بين المواطن والدولة. إلى جانب ذلك لا يقوم بناء مستدام إلا على مشاركة واسعة للمجتمع المدني والشباب الذين أثبتوا في ديسمبر قدرتهم على إنتاج خطاب جامع يضع المواطنة فوق الانتماءات الضيقة، كما يتطلب الاستقرار سياسة خارجية متوازنة تعيد للسودان موقعه كجسر بين إفريقيا والعالم العربي وتقطع الطريق أمام تحويل أراضيه إلى ساحة لصراعات الغير. وأخيراً فإن المصالحة الوطنية الحقيقية لا تنهض على النسيان، وإنما على الاعتراف بالجراح ومعالجتها عبر آليات عدالة انتقالية منصفة ومحاسبة للمتورطين في الانتهاكات.

وخلاصة القول إن السودان ليس دولة فاشلة بطبيعتها بل هو دولة لم تُبنَ بعد، فقد جعلت أزمة الهوية كثيرين يشعرون بأنهم ضيوف في وطنهم وحول صراع السلطة الدولة إلى آلة قمع بدل أن تكون أداة عدالة. ولن يتم العبور بشعارات جوفاء أو بانتصار عسكري لأي طرف، وإنما يتم العبور فقط عندما نعترف بأن السودان أوسع من أن تحتكره هوية واحدة وأن السلطة أمانة لا غنيمة. وعندها يتحول السودان من دولة لم تُبنَ بعد إلى وطن قائم على الرضا يجد فيه كل سوداني نفسه دون أن يلغي الآخر، وتصبح السلطة فيه وسيلة لخدمة الناس لا غاية لنهبهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!