
فاطمة لقاوة
لم يعد ما يجري في السودان مجرد حرب بين أطراف متنازعة، بل تحول في كثير من المناطق إلى إختبار حقيقي لمدى إحترام القانون الدولي الإنساني وحدود القوة العسكرية.
عندما تصدر تصريحات رسمية -(تصريحا ياسر العطا)- تتحدث عن إستخدام “القوة المميتة” في مناطق مأهولة بالسكان، فإن القضية لا تعود مجرد توصيف عسكري، بل تصبح موضع مساءلة قانونية وأخلاقية، لأن أي إستخدام للقوة يجب أن يظل مقيداً بمبادئ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب، والضرورة العسكرية.
في كردفان ودارفور، يدفع المدنيون الثمن الأكبر لهذه الحرب القذرة، فالقرى والأسواق والمرافق المدنية أصبحت مسرحاً للقتال، بينما تتزايد أعداد الضحايا والنازحين في ظل أوضاع إنسانية متدهورة، وكلما إتسعت دائرة العمليات العسكرية، إزداد خطر وقوع إنتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
وتثير التقارير المتداولة بشأن إستخدام أسلحة محرمة دولياً، بما في ذلك إستخدام أسلحة كيميائية في مناطق من شمال كردفان” منطقةأم قرفة تحديداً”، قلقاً بالغاً يستوجب تحقيقاً مستقلاً وسريعاً، فمجرد وجود مثل هذه المزاعم يفرض على المجتمع الدولي واجب التحقق منها، لأن إستخدام الأسلحة الكيميائية، يشكل إنتهاكاً خطيراً لإتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وقد يرتقي إلى جريمة حرب تستوجب المساءلة.
أخطر ما في المشهد ليس فقط حجم الدمار الذي لحق بإنسان و حيوان تلك المناطق المنكوبة، وإنما إحتمال تحول الخطاب الذي يبرر “القوة المميتة” إلى غطاء سياسي وأخلاقي لتوسيع دائرة العنف، بما يهدد حياة المدنيين ويقوض فرص الوصول إلى سلام مستدام. الحروب لا تمنح أي طرف حق تجاوز القواعد التي وضعتها الإنسانية لحماية الأبرياء، ولا يمكن لأي مبرر عسكري أن يبيح إستهداف المدنيين أو تعريضهم لأسلحة محظورة، وأمام هذه التطورات، يصبح لزاماً على الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والإتحاد الأفريقي، والآليات الدولية المختصة التحرك بصورة عاجلة لإجراء تحقيق دولي مستقل في جميع المعلومات المتعلقة بإستخدام أسلحة محرمة، وضمان وصول فرق التحقيق والمساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة، ومحاسبة أي شخص تثبت مسؤوليته عن إنتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
العدالة ليست مطلباً سياسياً، بل ضرورة لحماية المدنيين ومنع تكرار الإنتهاكات، فالإفلات من العقاب يشجع على المزيد من الجرائم، بينما تمثل المساءلة إحدى أهم ركائز السلام الدائم.
لقد أثبتت هذه الحرب أن المدنيين هم الحلقة الأضعف، وأن إستمرار الصمت أمام الإنتهاكات لا يطيل أمد المأساة فحسب، بل يهدد مستقبل السودان بأكمله. سيبقى إحترام القانون الدولي الإنساني، والتحقيق المستقل في الإنتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، الطريق الوحيد للحفاظ على ما تبقى من إنسانية وسط هذه الحرب المدمرة،التي أشعلها كيزان المؤتمر الوطني و عصاباتهم المتحصنين في بورتسودان و خارج السودان.
ولنا عودة بإذن الله




