رأي

مسيرات الموت… حين يتحول السلاح إلى أداة لإبادة الهوية

عبدالرحمن أبو رندة... بنسلفانيا

 

عبدالرحمن أبو رندة – بنسلفانيا

لم يعد ما يحدث في السودان اليوم حرباً بين جيشين متنازعين على السلطة، بل أصبح مأساة إنسانية مكتملة الأركان، تُدار بعقلية انتقامية وبأدوات إبادة جماعية ممنهجة. ففي التاسع عشر من أكتوبر ٢٠٢٥، ارتكب جيش الحركة الإسلامية الإرهابية مجازر مروعة عبر طائرات مسيّرة استهدفت المدنيين في الجنينة وسرف عمرة والزرق، وكلها مناطق مكتظة بالأسواق والمواطنين العزل.

القصف لم يكن عشوائياً كما يزعم إعلام النظام، بل كان موجهاً نحو قلب الحياة اليومية — الأسواق التي تمثل شريان البقاء للمجتمعات الريفية والهامشية. سقوط عشرات القتلى والجرحى من النساء والأطفال والتجار الصغار يؤكد أن هذه العمليات ليست إلا إعلان حرب على الوجود المدني في تلك المناطق.

وراء هذه الجرائم يقف محور معروف من دول الشر، تقوده تركيا وقطر وإيران ومصر، التي تقدم الدعم السياسي والعسكري لجيش الحركة الإسلامية، في محاولة لإعادة إنتاج نظام الإنقاذ بوجه جديد.

إن استخدام الطيران المسيّر التركي في قتل الأبرياء السودانيين هو وصمة عار على جبين كل دولة ساهمت أو تغاضت عن ذلك، كما أنه يمثل انتهاكاً صارخاً لكل القوانين والأعراف الدولية.

هذه المجازر ليست مجرد أحداث عابرة، بل جزء من استراتيجية إرهاب الدولة التي تمارسها بقايا النظام الإسلاموي ضد المجتمعات التي ثارت على التهميش.

وما يجري اليوم في دارفور يعيد إلى الأذهان مشاهد الإبادة الأولى في مطلع الألفية، ولكن بوسائل أكثر تطوراً وبدعم خارجي مكشوف.

لقد تحولت السماء السودانية إلى ساحة تجريب للأسلحة التركية والإيرانية، وكأن أرواح الأبرياء ميدان لاختبار الكفاءة العسكرية. والمجتمع الدولي — كالعادة — يكتفي بالبيانات المكررة، بينما تُدفن الأجساد في صمت.

إن الواجب الأخلاقي والإنساني يحتم على العالم أن يتحرك فوراً، لا لوقف القصف فقط، بل لمحاسبة كل من يقف وراء هذه الجرائم، بدءاً من قادة الجيش والمليشيات وانتهاءً بحلفائهم الإقليميين. فالصمت لم يعد حياداً، بل تواطؤاً.

في النهاية، ما يجري في الغرب السوداني ليس مجرد حرب على الأرض، بل حرب على الضمير الإنساني.

وإذا لم تُكسر دائرة الإفلات من العقاب اليوم، فإن أرواح الجنينة وسرف عمرة والزرق ستظل تطارد ضمير البشرية طويلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!