
صالح السليمي
يحدثنا التاريخ القريب، أن الدول التي قامت على إنتهاج سياسة الرعب والعصا الغليظة لم تعمر لسبب بسيط مظهره وعظيم في جوهره، يتمثل في تشوه العلاقة بين السلطة والشعب من حيث حالة عدم الرضا والخوف من الحاكم ومعاونيه من الجلاوزة الذي ينسجون شباك الرعب وشبكات الخوف التي لا ترى سوى مصلحة الحاكم وافكاره المريضة، وكما حدثنا التاريخ أيضا انه كلما كانت القبضة الأمنية قوية وعنيفة كان سقوط النظام سقوطاً دوياً، وان الدول التي تقوم سياستها على الرضا تكون على الدوام أقرب لاستدامة الاستقرار وأدعى لتعزيز النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية والبشرية، كذلك تؤكد التجربة التاريخية والإنسانية انه كلما مارست الحكومات عسفاً وتنكيلاً على شعوبها، كلما ازدادت شعوبها تمرداً وتوحشاً، بل انه في كثير من الحالات أصيبت مثل هذه الشعوب بانهيار كبير في منظوماتها الأخلاقية والإنسانية، وبفضل سوء معاملة الحكام واستخدام سياسة العصا الغليظة تتحول الشعوب الى وحوش بشرية عنيفة السلوك، ينتشر بينها القتل خارج اطار القانون، والسلب، والنهب، والتعدي على الحرمات دون وازع من ضمير، ولنا في الأمثل التالية خير دليل وبرهان؛
ظللتُ اتابع تجربة حزب البعث في العراق منذ عام 1990، وكانت المعلومات حولها شحيحة وكل ما يرشح على السطح إما في إطار تمجيد الحاكم الأوحد، او معلومات حول معارك دونكوشوتية مع إيران تارة ومع دول الجوار تارة أخرى، وكنا حينها قليلا ما نسمع عن ماذا يحدث في الداخل العراقي، لا سيما عن القبضة الحديدية التي كان يبسط عبرها نظام صدام حسين سلطته على الناس. بعد احتلال الكويت الجنوني في أغسطس 1990، وإعلان صدام حسين انها أصبحت المحافظة التاسع عشر وما تلي ذلك من نكبة العراق وشعبه بعد الغزو الأمريكي وما جره من وبال على العراق وعلى المنطقة بأثرها، بدأت خيوط الظلام تتكشف رويداً رويداً، ليقف العالم بأثرة على مأساة شعب عظيم، مثل شعب العراق، شعب الحضارات، شعب حدائق بابل المعلقة. فقد مارس معه النظام العراقي قسوة لا مثيل لها في التاريخ، وكل من تابع حلقات برنامج تلك الأيام للمؤرخ العراقي (البعثي) عبد الحميد عبدالله يكتشف ان حالة الرعب والخوف والقهر التي عاشها شعب العراق في ظل حكم صدام حسين عز ان يكون لها مثيل إلا في تؤام روحه الاخر ونظيره حزب البعث فرع سوريا ونظام الإسلاميين في السودان، ونظام مجنون ليبيا معمر القذافي، فجميع هذه الأنظمة التي ساست شعوبها بالعصا الغليظة والإرهاب ذهبت الى غير رجعة ولا أسفاً عليها، رغم انها في جميع الحالات تركت شعوب ممزقة الوجدان ، مهترئة الوعي، مسكونة بالكراهية، شعوب تمردت حتى على نفسها، وتحولت الى شعوب تعشعش في عقولها البغضاء، وتنمو على أفئدتها معاني الشر ، فقد أحرقت انظمة العصا الغليظة التي حكمتها هذه الشعب مراكب مستقبلها وشواطئ املها. على سبيل المثال لا الحصر، أورد هنا نماذج محدودة تكشف كيف ساس حزب البعث العراق وسوريا وأشاع بين الناس الخوف والرعب، وكذلك نظام عمر البشير في السودان -وهو نظام ظل يزعم انه إسلامي- ثم نختم مع بوائق نظام مجنون ليبيا.
في فيديوهات منشورة على قناة (تلك الأيام) للمؤرخ المعاصر الدكتور عبد الحميد عبدالله، قصة من بين قصص عديدة مثيرة للرعب والمهانة، وتشير الوقائع الى ان عُدي الابن الأكبر لصدام كان كما هو معروف يشرف على اللجنة الأولمبية العراقية، وبالتالي يشرف بشكل مباشر على فرق العراق الرياضية، في يوم من ذات الأيام، هزم فريق العراق امام أحد فرق دويلات الاتحاد السوفيتية السابقة، فأمر عُدي بعد ان علم بهزيمة الفريق، بأن يعود الفريق ومجلس ادارته وطاقمه الفني الى العراق مشياً على الاقدام، بالفعل حاول الفريق ذلك وفشل لوعورة الطرق والغابات، الى ان امر عُدى مرة أخرى بالسماح للفريق بأن يستغل الطائرة، ومن أراد ان يتعرف على مصير لعيبة الفريق بعد وصولهم الى العراق عليه بمراجعة الحلقة منشورة على اليوتيوب. حادثة أخرى من حوادث عُدي التي أشار اليها الدكتور حميد ان عُدي قام بخلع الاسنان الامامية الأربعة في الفكين الأعلى والادنى لشاب عراقي فقط لأنه ضحك بصوت عالي اثناء تجمع كان هو يحضره (عُدي)، وقد نفذت العملية بيد عُدي مباشرة بواسطة مقبض حديدي يعرف عندنا في السودان ب(الزردية) تستخدم عادة في خلع المسامير من على الخشب، وقد جرى ذلك في مشهد هز وجدان جميع الحاضرين، هذا ناهيك عن القصص الجنونية التي تحدث في المعتقلات، من قتل خارج نطاق القانون بوحشية مرضية لا مثيل لها، واخفاء قسري لعشرات العراقيين والعراقيات، وفي هذا الصدد يحكى ان طياراً عراقياً قال معلقا على رداءة جودة البسكويت العراقي فقال مازحا ان بإمكانه ان يصنع بسكويت افضل اذا صار وزيرا للبسكويت، فتدحرجت النكتة حتى وصلت العسس، فأختفى جميع من كان ضمن جلسة الشاي المشؤومة هذه، الطيار واخوه، ونسبيه، ولم تعلم زوجة الطيار واهالي المخفيين بمصيرهم الا بعد خمسة عشر عام.
اما عن البعث السوري فحكايات الناجين من سجون ومسالخ صيدنايا وتدمر والجوية وفرع فلسطين يشيب لها الولدان، حيث يوجد في سجن صيدنايا هناك مكبس لتحويل الناس الى مكعبات ومربعات لحمية وهم احياء، وهناك قصص وافلام رعب كثيرة ومثيرة للغثيان، يمكن لأصحاب القلوب القوية مراجعتها على يوتيوب، وهنا نكتفي بما حكته الناجية السورية التي تم اعتقالها رفقة اخوانها إبان الاحتجاجات التي أطاحت ببشار ، تقول تلك الناجية حينها كان عمرها نحو 15 عام تم اعتقالها من قبل امن بشار الأسد لأنها رفضت بالغريزة الإنسانية اعتقال اخوانها، وكانت تصرخ في وجه الجلاوزة وتتشبث بأطراف اخوتها الى ان قرر هؤلاء أخيراً اعتقالها رفقتهم، وضمن مشاهداتها في سجون بشار تحكي ان النساء المعتقلات يتم تعرية اجسادهن ويؤمر المعتقلين بالنظر في عوارتهن، وكان الجلادين يؤمرون اخيها بشير الذي قتل تحت التعذيب لاحقا بأن يسبها بأقزع الالفاظ، والعبارات النابئة، وكانوا يعذبونه بلا رحمه عندما يرفض، تقول الصغيرة الناجية، كنتُ أقول له : يا بشير سُبني فانت مرغم ولكنه يرفض حتى فاضت روحه، وللمزيد من مثل هذه القصص المرعبة احيلكم الى وثائقيات سجون البعث السوري؛
اما عن نظام الإسلاميين في السودان فنكتفي بما اصطلح عليه بالمجازر، منها مجزرة الطلاب في ضاحيةالعيلفون في 1998، حيث “راح ضحيتها نحو 100 طالب، وقد كان معسكر العيلفون واحداً من بين أكثر من 10 معسكرات تجنيد رئيسية تنتشر في مختلف أنحاء السوداني للتدريب العسكري الإجباري لآلاف من الصبية بينهم من أكملوا لتوهم امتحانات الدخول إلى الجامعة وبعضهم يعمل في مهن هامشية، ليتم إلحاقهم بوحدات القتال في مناطق الحروب بالجنوب والنيل الأزرق. ومجزرة الثمانية وعشرين ضابط قبيل عيد رمضان في ابريل عام 1990، و” تشير احداث مجزرة ال 28 ضابطاً المعروفة تاريخياً باسم إعدامات ضباط 28 رمضان إلى تصفية 28ضابطاً من القوات المسلحة السودانية عشية عيد الفطر أبريل 1990، على يد نظام الرئيس الأسبق عمر البشير “. وكذلك “مجزرة كجبار هي عبارة عن اعتداء دامٍ وقع في 13 يونيو 2007، عندما فتحت قوات الأمن السودانية التابعة لنظام الإنقاذ النار على متظاهرين سلميين في منطقة “كدنتكار” بالولاية الشمالية، كان الأهالي قد احتجوا على مشروع بناء “سد كجبار” الذي يهدد بإغراق قراهم وتاريخهم النوبي “. إضافة إلى مجزرة القيادة العامة حيث تم ” فض اعتصام القيادة العامّة، وتُعرف أكثر باسمِ مجزرة القيادة العامة فيما عُرفت في وسائل الإعلام الغربيّة باسمِ مجزرة الخرطوم، وهي مجزرة حصلت في يوم الإثنين الموافق الثالث من يونيو 2019 حينمَا اقتحمت قوات مسلحة وملثمين مقرّ الاعتصام مُستعملةً الأسلحة الثقيلة والخفيفة والغاز المسيٌل للدموع لتفريق المعتصمين السلميين مما تسبّبَ في مقتل حوالي 500 متظاهر ورميت جثثهم في عرض النيل، علاوة على مئات الجرحى والمفقودين حسب التقديرات “. اما عن السجون وبيوت الاشباح، فحدث ولا حرج، فقد عُذِب الناس بالجملة ونكل بهم شر تنكيل، وهنا تقف حادثة مقتل الطبيب على فضل في أولى سنوات انقلاب البشير في عام 1989م وقد اشارت تقارير إلى وجود جسم حاد (مسمار) بمنتصف رأسه، وقد عذب حتى فارق الحياة، وكذلك تظل حادثة اغتصاب العميد ود الريح شاهدا على فظاعة النظام الاسلاموي وبيوت اشباحه، إضافة إلى مقتل المعلم الشهيد احمد الخير في 2019، الذي تم بطريقة مجافية لجميع قوانين الناموس الكوني.
اما عن فظائع نظام مجنون ليبيا، كما كان يسميه الجنرال السوداني جعفر النميري، نشير الى محنة سجن ابو سليم ” تُعد مجزرة سجن أبو سليم الواقعة في العاصمة الليبية طرابلس، واحدة من أفظع الجرائم السياسية. وقعت هذه المجزرة في 29 يونيو 1996، عندما أقدمت قوات الأمن التابعة لنظام العقيد الراحل معمر القذافي على إعدام جماعي للسجناء، وذلك عقب احتجاجات وتمرد نفذها المعتقلون داخل العنابر بسبب ظروف احتجازهم القاسية، مما دفع قوات الأمن لاعتلاء أسطح السجن وإطلاق النار عليهم بشكل عشوائي ومكثف. بلغ عدد ضحايا هذه المأساة نحو 1269 قتيلاً، غالبيتهم العظمى من سجناء الرأي والمعتقلين السياسيين. وقد أخفى النظام حينها تفاصيل الواقعة لسنوات طويلة، واكتفى في البداية بنفي الحادثة تماماً، قبل أن يعترف بوقوعها لاحقاً، لتصبح هذه المجزرة فيما بعد واحدة من أبرز الدوافع التي أشعلت الثورة الليبية في منتصف فبراير 2011 “
من خلال الأمثال والسرد السابق وددت القول ان تاريخ الشعوب وماضيها يصلح ان يستخدم كمرآة لتعزيز مستقبلها حيث ” تلعب قراءة التاريخ دوراً محورياً في فهم الحاضر واستشراف المستقبل، فهو بمثابة ذاكرة الأمم ومستودع تجاربها. من خلاله تتعرف الشعوب على جذورها، لمراجعة وإصلاح مسارها لتجنب أخطاء الماضي، واستلهام عوامل النهوض والنجاح. وتتجلى أهمية قراءة التاريخ لمستقبل الشعوب في فهم الحاضر؛ أذ لا يمكن فهم المشاكل السياسية أو الاقتصادية أو التحولات الاجتماعية المعاصرة بمعزل عن جذورها التاريخية. فالتاريخ يقدم الخلفية اللازمة لفهم “لماذا نحن هنا اليوم؟”. كذلك، التاريخ هو أعظم معلم، فهو يبرز أسباب ازدهار الحضارات وسقوطها، مما يتيح للأمم تبني عوامل النجاح وتجنب مسببات الفشل. علاوة على بناء الهوية الوطنية والثقافية؛ يربط التاريخ الأفراد بتراثهم وقيمهم وأصولهم، مما يعزز روح الانتماء الوطني والشعور بالاستمرارية.بجانب ذلك تفيدنا قراءة الأحداث التاريخية المتنوعة في التدريب العقلي على التحليل والمقارنة والاستدلال، وتقييم الأدلة والمصادر، مما يخلق وعياً مجتمعياً لا يتقبل الأمور بظواهرها. كما يوفر التاريخ خبرات التخطيط الاستراتيجي للمستقبل؛ فالدول الناجحة تستخدم ماضيها كبوصلة لصياغة سياساتها، فمعرفة السنن والقوانين التي تحكم صعود وهبوط الدول تساعد القادة على استشراف المستقبل وتجنب الأزمات. إضافة الى صناعة القرارات الرشيدة؛ فالقراءة الواعية للتاريخ تمكّن القادة وصناع القرار من دراسة كيف تصرف العظماء في الماضي في ظروف مشابهة (حروب، أوبئة، أزمات اقتصادية)، مما يعينهم على اختيار أفضل السياسات. واهم من هذا وذاك منع تكرار المآسي؛ الأمم التي تنسى تاريخها أو تزوره غالباً ما تقع في نفس الأخطاء والنزاعات التي عانى منها أسلافها؛ لذا فإن وعي الشعوب بتاريخها يشكل حصانة ضد تكرار الكوارث والحروب.
خلاصة: تمثل وقائع انهيار النظام البعثي في العراق وسوريا، ونظام الإسلاميين في السودان، ونظام العقيد معمر القذافي في ليبيا وما حاق بهذه الشعوب، يمثل مرآة كاشفة لأهمية بناء عقد اجتماعي بين الشعوب وحكامها، وتوضح كذلك ان عامل الرضا هو الأساس الذي ينبغي ان يقوم عليه العقد الاجتماعي. ولتفادي مآسي الماضي علينا قراءة الأسباب الحقيقية وراء ما جرى في هذه الدول الأربعة وما هو نمط الحكم الذي اتبعته، والى مدى كان عامل العسف والإرهاب، والسطوة، والتنكيل، واهانة خلق الله، وقتل الناس بالجملة سببا مباشرة في النتيجة التي نشاهدها اليوم، فالعراق اليوم تحول الى بلد ممزق الاوصال منقسم على نفسه بين شيعة وسنة وعرب واكراد وتركمان. وسوريا انتهى بها الحال الى دولة انتقامية ممزقة بين الساحل والداخل وبين علويين مهزومين وسنة محطمين. اما السودان فقد أبتلي بحرب ضروس لا يعرف فيها المقتول من قتله ولماذا قتله، وتفرق دم البلاد بين عرب وزرقة، وغرابة وجلابة جميعهم ينكرون أي أساس للتعايش السلمي وقبول الاخر، وهكذا تسير البلاد حثيثا نحو الانقسام والتشظي. اما ليبيا فقد تقاسمتها الولاءات بين الغرب الليبي والشرق، حيث تحولت الدولة النفطية الاغنى في المنطقة الى كانتونات لا يعترف بعضها ببعض.
والحال كذلك ليس امام تلك الشعوب سوى طريق واحد، هو طريق العقد الاجتماعي القائم على التراضي والقبول بالآخر. وان هذه الشعوب ليس عليها اكتشاف العجلة من جديد، فأوروبا التي نراها اليوم نموذجا للاستقرار وحقوق الانسان، فقد خلصت الى ما خلصت اليه من خلال مخاض عسير ومشابه لما مرت وتمر به دولنا اليوم، ولكن أوروبا تعلمت ان محاكم التفتيش لا قيمة لها، بل القيمة كل القيمة في احترام حقوق الانسان، والاعتراف بحقوق الشعوب في الحياة الكريمة، وهي حالة واعية للاستفادة من دروس التاريخ وعبره، فهلا عادت شعوبنا الى رشدها وانطلقت نحو آفاق الاستقرار والنماء والازدهار، حيث لا يزال هناك امل وطريق مفتوح الى الامام.




