رأي

السعودية والرهانات الخاسرة على إعادة إنتاج الدولة النخبوية القديمة في السودان

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

     تتجلى الحقيقة العارية اليوم أمام الشعب السوداني وأمام القوى الوطنية الحية، لتكشف عن طبيعة الأدوار الإقليمية المشبوهة التي ظلت تُحاك في خفاء العواصم وعلنيتها ضد تطلعات الهامش السوداني ومشروع التغيير الجذري. لم يعد ثمة متسع لظنون حسنة أو قراءات مجاملة لمواقف المملكة العربية السعودية، التي تجاوزت كل حدود المناورة الدبلوماسية لتفصح بصراحة ودون مواربة عن اصطفافها الفاضح مع مؤسسة الجيش المتهالكة، هذه المؤسسة التي باتت تشكل أداة مطواعة في أيدي النخب الأبوية وسدنة النظام القديم. إن ما يُسمى بالتحركات السياسية الأخيرة للرياض، والمتمثلة في استدعاء وجمع قيادات مدنية لإعادة تدويرها وتشكيل “حاضنة سياسية” هشة تحمي جنرالات الفشل، ليست إلا محاولة بائسة لإعادة هندسة المشهد السوداني بما يخدم أجندات الوصاية الخارجية، ويلتف على الإرادة الشعبية الصلبة التي قررت تفكيك بنية دولة التهميش والأبرتهايد.

لقد توهمت الدوائر الحاكمة في الرياض أن السودان ليس سوى ساحة خلفية لتمرير التفاهمات الإقليمية ومسرحاً لنفوذها الجيوسياسي، متغافلة عن أن الأزمة السودانية ليست صراعاً على اقتسام السلطة بين نخب الخرطوم، بل هي ثورة وجودية ومسار تحرر وطني يقوده الأحرار لمحو عقود من التهميش والاستعلاء. إن التطابق الكامل والتنسيق المباشر بين الموقف السعودي والنظام المصري ليس محض تقاطع مصالح عابر، بل هو تحالف عضوي يتغذى على خوف هذه الأنظمة من قيام سودان جديد، حر، ومستقل في قراره الوطني. فبينما تسعى القاهرة للحفاظ على الجيش كـ “مخلب قط” يضمن لها الاستمرار في نهب الموارد وتكبيل الإرادة السودانية واستنزاف مياه النيل، تأتي الرياض لتكمل هذا المشهد الكارثي بالدعم المالي والسياسي والتكتيكي، في محاولة لإبقاء هذا الهيكل العسكري المتهالك على قيد الحياة، رغبةً منها في التأمين المجاني لمصالحها على امتداد ساحل البحر الأحمر، ولو كان الثمن إغراق السودان في الفوضى وتشريد الملايين من أبنائه.

إن القراءة الفاحصة للمسار الذي اتخذته السعودية منذ اندلاع هذه الحرب تؤكد أنها لم تكن في يوم من الأيام وسيطاً نزيهاً أو راعياً حقيقياً للسلام، بل كانت طرفاً أصيلاً ومتحيزاً يعاقب الشعب السوداني على خياره في التغيير. فحتى “منبر جدة”، الذي صُوّر للرأي العام العالمي كمبادرة إنسانية لوقف إطلاق النار، لم يكن في جوهره سوى غطاء تكتيكي ومساحة زمنية مريحة جرى منحها لفلول الجيش لالتقاط الأنفاس، وإعادة تنظيم الصفوف، وتلقي الإمدادات. وحينما انكشفت هذه اللعبة وسقطت رهانات الميدان أمام جسارة قوات التحرر الوطني، انتقلت الرياض إلى مربع جديد من المؤامرات، عبر تقديم الدعم المباشر، وتجنيد الأدوات، والقيام باختراقات ومحاولات استقطاب رخيصة لشق صف القوى الثورية. إن هذا السلوك لا يعبر إلا عن إفلاس سياسي وضيق أفق يرى في الشعوب التائقة للحرية مجرد حقول تجارب لسياسات الهيمنة المفروضة من الخارج.

والأنكأ من ذلك كله، هو الاستغلال المقيت والتوظيف السياسي لمقدسات الأمة الإسلامية وشعائر الحج والعمرة، وتحويلها إلى أدوات ضغط ومساومة سياسية ضد القوى السودانية الحرة. إن تحويل شعائر الدين الحنيف، التي ينبغي أن تكون رمزاً للعدل والمساواة والوحدة، إلى منصة لخدمة الأجندات الضيقة والمحاور الإقليمية، يمثل انحرافاً أخلاقياً يضاف إلى سجل المواقف السعودية المأزومة تجاه قضايا الشعوب. كيف لبلد يدعي رعاية المبادئ الإنسانية والدينية أن يسخر مقدراته لدعم عسكر ارتكبوا أبشع الجرائم ضد الإنسانية، وفتكوا بمواطنيهم، ودمروا البنية التحتية، ثم يأتي ليفرش السجاد الأحمر للقتلة وأزلامهم تحت دعاوى “الاستقرار ووحدة مؤسسات الدولة”؟ إن هذه الشعارات البراقة أضحت مكشوفة للجميع، ولا تعدو كونها طلاءً ظاهرياً لباطن ممتلئ بالوصاية والاستبداد.

يجب على تحالف السودان التأسيسي وكافة القوى المؤقلمة مع مشروع التغيير الجذري أن تدرك، وبشكل لا يدع مجالاً للشك أو التردد، أن السعودية أضحت تقف في خندق واحد مع ألد أعداء الشعب السوداني. إن التعامل مع الرياض من موقع حسن الظن أو الرهان على تغيير مواقفها هو نوع من الوهم السياسي الذي يكلف البلاد دماءً وزماناً. إن المشروع الذي يحمله الشرفاء، والمستند إلى الرصيد الجماهيري الأعرض في تاريخ البلاد، يخاطب الجذور العميقة للأزمة السودانية، ويرفض رفضا قاطعاً أي حلول فوقية يُراد طبخها في الغرف المغلقة بعيداً عن تطلعات المهمشين وأصحاب الحق الأصيل. إن التاريخ السوداني قد تجاوز مرحلة الصفاقات الفوقية، وإعادة تدوير النخب المأجورة التي تبحث عن ألقاب وسلطات زائفة عبر بوابات العواصم الإقليمية.

إن المقاربة السعودية القائمة على فرض عبد الفتاح البرهان وتجميع شتات المجموعات المدنية الداعمة للفلول، هي أسلوب من أساليب إعادة إنتاج “دولة الأبرتهايد” بصيغة أشد رداءة. هذه المقاربة تتجاهل عن عمد أن أزمة السودان ليست أزمة أشخاص أو إجراءات شكليّة، بل هي أزمة بنيوية متجذرة تتمثل في احتكار السلطة والثروة من قبل طغمة تحكمت في البلاد منذ ما بعد الاستعمار. وبالتالي، فإن أي مسعى لإبقاء هذه البنية الفاسدة أو ترميمها تحت مسوغات البراغماتية السياسية هو عمل باطل بطلاناً مطلقاً. إن التحالفات الإقليمية التي تسعى لكبح جماح التحرر الوطني في السودان تناست أن إرادة الشعوب حين تستيقظ لا تستطيع أي قوة خارجية، مهما بلغت من الثراء والنفوذ، أن تقف في وجهها أو تفرض عليها خيارات مذلة.

إن السواد الأعظم من أبناء السودان الذين اكتووا بنار التهميش والحروب الدائمة، وقدموا أروع التضحيات لبناء سودان العدالة والمواطنة المتساوية، يرسلون اليوم رسالة شديدة اللهجة إلى الرياض ومن يسير في ركابها: إن زمن الاستعلاء الإقليمي والوصاية المباشرة قد انتهى إلى غير رجعة. لن يقبل السودانيون بعد اليوم أن تُحدد مصائرهم في جدة أو القاهرة، ولن تكون دماء شهدائهم وقضاياهم العادلة جسراً تعبر عليه المصالح البحرية أو النفطية لأي طرف. إن إرادة التغيير الجذري أصلب من أن تُكسر بالمؤامرات، وأعمق من أن تُختزل في تسويات كسيحة تجري إعادة إنتاجها لتثبيت سلطة القتلة وتجار الدين.

وفي ختام المطاف، فإن المراهنة على خيارات باطلة لن تنتج إلا واقعاً أشبه بالسراب. إن كل سيناريو يسعى لإحياء جثة الجيش الميتة أو لمنح شرعية زائفة لسدنة النظام البائد سيتهاوى سريعا أمام صمود القوى الوطنية وإصرارها على اقتلاع مؤسسات التمييز من جذورها. سيبقى السودان حرًا بأبنائه، عزيزاً بقيمه، ومستقلاً بقراره الوطني، وسيعلم الذين حاولوا مصادرة إرادته واستغلال محنته أن الشعب السوداني قادر على حماية ثورته وتثبيت أركان دولته القادمة، رغماً عن أنف الوصاية الإقليمية وتخرصات حلفائها الداخليين والخارجيين. وما بُني على باطل فهو باطل، وسيبقى باطلاً إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!