رأي

كارثة الفاشر: وصمة عار في جبين الأمم المتحدة والحركات المسلحة والجيش السوداني

عباس احمد السخي

بينما تغرق مدينة الفاشر في مستنقع الدم والخراب، يتسابق الجميع إلى الصمت، كأن المأساة تجري في كوكب آخر لا يعني أحدًا. فمنذ اندلاع الحرب، كان واضحًا أن ما يحدث في الفاشر لا يعني المركز بشيء، لكنه ما لبث أن أصبح كذلك لا يعني الحركات المسلحة أيضًا، رغم أن المدينة تحتضن جذورها التاريخية وحواضنها الاجتماعية التي لطالما قدمت لها الرجال والسند.

الحركات المسلحة، التي اختارت الانخراط في الحرب إلى جانب الجيش، تتحمّل اليوم المسؤولية الكبرى في ما آلت إليه الفاشر، تلك المدينة التي كانت تنعم بأمان نسبي قبل أن تقرر هذه الحركات الانتقام من قوات الدعم السريع، بزعم الثأر لما ارتكبته بحقهم خلال حروب دارفور منذ عام 2003. غير أن تلك الحركات اختارت أن تتغافل عن حقيقة أن الجيش نفسه، الذي تحالفت معه اليوم، هو من سلّح ومول ودعم هذه القوات حين كانت تحارب ضدهم بالأمس. مشهدٌ بالغ التراجيدية؛ قاتل الأمس أصبح حليف اليوم، وضحايا الأمس يعودون ليعيدوا المذبحة في وجه أهلهم هذه المرة، لا في وجه المعتدي الحقيقي.

ولم يكن من الحركات المسلحة وحكومة المركز إلا إطلاق التصريحات والبيانات المطالبة بفك الحصار عن المدينة، بينما فشلت تحركاتهم الميدانية في تحقيق ذلك على الأرض، وتهاوت قواتهم في المالحة، ثم في النهود والخوي وغيرها. وبينما يموت سكان الفاشر جوعًا وقهرًا، لا تزال القوى المتحالفة تتبادل الاتهامات، فيما الحصار يشتد والخناق يضيق.

وفي خضم هذه المأساة، تتكشّف أدوار أممية أقل ما توصف به أنها مخزية. فقد بدت الأمم المتحدة متواطئة، لا عبر الدعم المباشر لأحد أطراف الحرب، بل عبر تهاونها في حماية المدنيين واكتفائها بدعوات هشة لهدن مؤقتة بين المتصارعين، من دون تقديم أي ضمانات لاستدامتها، أو مراقبة سريانها على الأرض. وفي واقع الحال، كان من المأمول استخدام هذه الهدن كغطاء لتهريب السلاح والمؤن للقوات المحاصِرة، الأمر الذي دفع قوات الدعم السريع إلى رفض تلك المبادرات أو عدم التعامل معها بشكل جاد، ما جعل الدعوات الأممية فاقدة لأي قيمة عملية أو إنسانية.

الأدهى من ذلك، أن ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في السودان، رمضان العمامرة، أثبت أنه أبعد ما يكون عن الحياد. فالرجل بدا منذ البداية منحازًا لمواقف المؤسسة العسكرية والإسلاميين في السودان، وسعى بوضوح إلى تحوير الصراع عن جذوره البنيوية، ليقدّمه في قالب يخدم توجهات بلاده الجزائر، الداعمة تقليديًا للمؤسسة العسكرية السودانية. ومن هنا، لم يعد بالإمكان الوثوق في جهود الوساطة الدولية ما دامت تُدار بعقلية الاصطفاف السياسي والمصالح الضيقة، لا بمبدأ إنقاذ الأرواح وحماية المدنيين.

إن ما يحدث في الفاشر اليوم ليس كارثة عابرة يمكن نسيانها في خضم الفوضى السودانية الممتدة، بل هو لحظة كاشفة لمدى انهيار القيم السياسية والإنسانية على مستوى الداخل والخارج معًا. لقد فشل الجيش، وخانت الحركات المسلحة قضيتها، وتواطأت الأمم المتحدة، وسقط اهل الفاشر في براثن الجوع والمسغبة. ولكن ما لم يسقط بعد هو صوت الضحايا، الذي سيظل يلاحق الجميع، في ذاكرة التاريخ وفي ضمير العالم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!