
نجوي بابو
لا تبدأ المعاناة الإنسانية من الأحداث الخارجية، بل من الطريقة التي نختزن بها مشاعرنا تجاه تلك الأحداث. في كتابه العبقري والمؤثر عالمياً السماح بالرحيل يقدم الطبيب النفسي البارز د. ديفيد هاوكينز دليلاً ثورياً لتفكيك الأزمات النفسية، مستنداً إلى آلية بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: التوقف عن المقاومة، والسماح للمشاعر السلبية بالرحيل بدلاً من كبتها أو الهروب منها.
ويشير هاوكينز إلى أن العقل البشري يميل بطبعه إلى ابتكار آلاف الأفكار ليبرر شعوراً واحداً مكبوتاً في الأعماق؛ فإذا نجح الإنسان في تحديد هذا الشعور وتحريره، تلاشت معه آلاف الأفكار المقلقة تلقائياً، وتغيرت نظرته لتقديره لذاته وللحياة من حوله.
يقسم الكتاب الحالات النفسية إلى درجات تتفاوت بين السلبية والاتزان، موضحاً أن المشاعر المنخفضة مثل الخوف، والغضب، والأسى، والشعور بالذنب، تمثل طاقة مستنزفة تشل قدرة الفرد على العطاء والإنتاج. وفي المقابل، فإن الانتقال نحو درجات الشجاعة، والقبول، والسلام، يرفع من وعي الإنسان ويمنحه القدرة على التعامل مع الأزمات بمرونة تشبه مرونة الماء لا يقاوم الصدمات بل ينساب من خلالها
كيف نكبت مشاعرنا دون أن نشعر؟
يفكك الكتاب الآليات الدفاعية التي نستخدمها يومياً للتعامل مع مشاعرنا، ويقسمها إلى ثلاثة سلوكيات خاطئة:
الكبت او إخفاء المشاعر وتجاهلها، مما يحولها إلى أمراض جسدية وضغوط نفسية مزمنة.
تفريغ الشحنة العاطفية بالصراخ أو الشكوى، وهو سلوك يغذي طاقة الشعور السلبي ولا ينهيه.
اللجوء إلى الملهيات كالتصفح المفرط، أو العمل الزائد، أو العادات السيئة للابتعاد عن مواجهة الذات.
البديل الصحي الذي يطرحه هاوكينز هو آلية السماح بالرحيل أو التسليم. وتتخلص هذه الآلية في الاستسلام التام للشعور عند ظهوره، دون الحكم عليه بأنه سيئ أو جيد ودون محاولة تغييره أو مقاومته. إن التركيز على طاقة الشعور نفسها بدلاً من الأفكار المصاحبة لها، يفرغ هذه الشحنة بالتدريج حتى تتلاشى تماماً، ليحل محلها شعور تلقائي بالخفة والسلام الداخلي.
يؤكد الكتاب أن الشخص الذي يتخلص من مخاوفه وعقده الماضية لا يصبح أضعف، بل يصبح أكثر قوة وجاذبية فالتحرر من الرغبة المستمرة في إثبات الذات أو الخوف من النقد، يمنح الإنسان ثقة هادئة ورصينة. حينها، لا يعود النجاح هدفاً يتم الركض خلفه بجهد مستنزف، بل يصبح نتيجة تلقائية لشخصية متزنة ومتصالحة مع عيوبها ومميزاتها.
وينتهي هاوكينز إلى خلاصة جوهرية: إن السلام ليس غاية نصل إليها في نهاية الطريق، بل هو المساحة التي تظهر في حياتنا عندما نقرر أخيراً أن نتخلى عن جبال المشاعر الثقيلة التي حملناها لسنوات وحان الوقت للسماح لها بالرحيل.



